الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨٤الفائدة الأولى: [فِي بَيَان أحوال العربِ فِي صدر الإِسلاَم]
اعلم أَنَّ الْعَرَبَ فِي آخرِ عَصْرِ الجاهليَّة حينَ بُعثَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَد تَفَرَّقَ مُلكُها، وتَشتَّت أَمْرها، فضمَّ الله - سبحانه وتعالى - بِه شارِدَها، وجَمَعَ عَلَيهِ جَمَاعَة مِن قَحطَان وعَدنَان فآمنُوا به، ورَفضُوا جَمِيعَ ما كَانُوا عَلَيهِ، والتزمُوا شَرِيعَة الإِسلاَم مِن الاعتقادِ والْعَمَل، ثُمَّ لَمْ يَلبَث رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ قليلاً حَتَّى تُوفِّيَ وخَلفه أصحابه رضي الله عنهم، فغلَبوا الملوكَ، وبلَغَت مَملكة الإِسلاَم فِي أَيَّام عثمان بن عَفَّان مِنَ الجلالَةِ والسعَةِ إِلَى حَيْثُ نَبَّه - عَلَيهِ الصلاَة وَالسلاَمُ - فِي قَولِهِ: «زُوِيَت لِيَ الأَرْضُ فَأريتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسَيبلغُ مُلك أمَّتِي مَا زُوِي لِي مِنها»، فأبادَ الله - سبحانه وتعالى - بدَوْلَةِ الإِسلاَم دَوْلَة الفرسِ بالعراقِ وخراسَان، ودَوْلَة الروم بالشام، ودَوْلَة القبط بِمصر، فكَانَت الْعَرَب فِي صدرِ الإِسلاَم لا تَعتنِي بِشَيْءٍ مِن الْعُلُومِ إِلاَّ بِلغَتِها ومَعْرِفَة أَحْكَام شَريعتها، وبِصناعة الطبِّ، فَإنَّهَا كَانَتْ موجودة عندَ أفرادٍ مِنْهُمْ لِحاجَة الناسِ إِلَيْهَا، وذَلِكَ مِنْهُمْ صَونا لِقواعدِ الإِسلاَم وعقائدِ أهلِه عَن تطرُّقِ الخللِ من عُلُوم الأوائلِ قَبْلَ الرسوخِ والأَحْكَامِ حَتَّى يُروَى أَنَّهُمْ أحرقُوا ما وجَدوا من الكتبِ فِي فُتوحَات البلادِ، وقَد وَرَدَ النهيُ عَن النظرِ فِي التوراةِ والإنجيلِ لاِتِّحَاد الكلمةِ واجتماعهَا عَلَى الأخذِ والْعَمَل بكتابِ الله وسنَّةِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، واستمرَّ ذَلِكَ إِلَى آخرِ عَصْر التَّابِعِين، ثُمَّ حدَث اختلافُ الآراءِ وانتشارُ المذاهبِ، فآلَ الأَمْرُ إِلَى التدوينِ والتحصينِ.