الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨٥الفائدة الثانية: فِي الاحتياج إِلَى التدوين
وَاعْلَمْ أنَّ الصَّحَابَة والتَّابِعِين رضوان الله تعالى عَلَيهِم لِخلوص عَقِيدَتِهم بِبَركةِ صُحبَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وقُربِ العهدِ إِلَيْهِ، ولِقلَّةِ الاختلافِ والواقعَاتِ، وَتَمكُّنِكم من المراجعَةِ إِلَى الثقاتِ، كَانُوا مُستغنِين عَن تَدوينِ عِلمِ الشرائعِ والأَحْكَامِ، حَتَّى أَنَّ بَعْضَهم كَرِه كِتَابَةَ الْعِلْم، واستَدَلَّ بِمَا رُوِيَ عن أبى سَعِيد الخدرِي أَنَّهُ «استأذنَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - في كِتَابَة الْعِلْم فَلَم يأذَن لَه»، ورُوِيَ عن ابن عَبَّاس - رضي الله عنه - ما أَنَّهُ نَهَى عَن الكِتَابَةِ، وَقَالَ: "إِنَّمَا ضلَّ مَن كانَ قَبْلَكم بالكِتَابَة"، وجاءَ رجلٌ إِلَى عبدِ الله بن عَبَّاس - رضي الله عنه - ما فَقَالَ: إِنِّى كَتَبتُ كتابا أريدُ أن أَعرِضه عَلَيكَ، فَلَمَّا عُرضَ عَلَيهِ أخذَه منهُ ومَحاهُ بِالماءِ، وقيلَ لَه: لِمَ فَعلت هَذَا؟ قالَ: لأَنَّهُمْ إذَا كَتبوا اعتمدوا علَى الكِتَابَة /40/ وتَركوا الحفظَ، فَيعرض للكتابِ عَارضٌ فيفُوت عِلمهم، واستَدَلَّ أيضًا بأنَّ الكِتَابَة مِمَّا يُزاد فيه ويُنقَص ويُغَيَّر، والذى حُفظَ لا يُمكنُ تَغييره؛ لأَنَّ الحافظَ يَتكلَّم بالْعِلْم، والذِى يُخبِر عَن الكِتَابَة يُخبر بالظنِّ والنظرِ.
ولَمَّا انتشرَ الإِسلاَم، واتَّسعَت الأمصارُ، وتَفَرَّقَت الصَّحَابَةُ في الأقطارِ، وحدَثَت الفتَن، واختلاف الآراء، وكَثُرت الفتاوَى والرجوعُ إِلَى الكبراءِ، أَخذُوا فِي تدوينِ الْحَدِيث والْفِقْهِ وعُلُوم القرآن، واشتغلُوا بالنظرِ والاِستِدلاَلِ والاجتهادِ والاستنباطِ وتَمهيدِ القواعدِ والأُصُول، وترتيبِ الأبوابِ والفصولِ، وتَكثير الْمَسَائِل بأدلَّتهَا، وإيرادِ الشبَه بأجوبتِهَا، وتَعيين الأوضاعِ والاِصطِلاَحاتِ، وتَبيِين المذاهبِ والاختلافاتِ، وكانَ ذَلِكَ مَصلحة عَظيمَة، وفكرَة فِي الصوابِ مُستقيمَة، فَرأَوا ذَلِكَ