معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٩٢

وروى الشيخ عمرو التلاتِي عن عمر بن الْخطاب مَوقوفا: "إنَّ الْجنَّ لا يستطيعون أن يتحوَّلوا عن صورتِهم التي خلقهم الله عَلَيْهَا، ولكن لَهم سحرة كسحرتكم، وإذا رأيتم ذَلِكَ فأذِّنوا".

ثُمَّ اختَلَفُوا في وجه امتناع رؤيتنا إياهم؟

فقالت الْمعتزلة: الوجه في ذَلِكَ رقَّة أجسام الْجنِّ ولطافتها، وَلَمَّا كانت أجسام الإنس كثيفة صحَّت رؤيتهم لنا.

وَأَمَّا وجه رؤية الْجنِّ بعضهم بعضا فهو أنَّ الله تعالى يقوِّي شعاع أبصار الْجنّ، ويزيد فيه، ولو زاد الله في قوَّة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضا. قالوا: ولو أن الله تَعَالَى كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا عَلَى هذه الْحَالة لرأيناهم.

وقالت الشافعية: إنَّ الإنس لا يرونَهم؛ لأَنَّ الله لَمْ يَخلق الإدراك الصالح لِرؤية الْجنِّ في عيون الإنس، وهم يرون الإنس؛ لأَنَّ الله خلق في عيونِهم إدراكا يصلح لذَلِكَ.

فالْممتنع عَلَى مذهب الْمعتزلة والشافعية إِنَّمَا هو رؤيتنا إِيَّاهُم عَلَى هذا الْحَال الذي خلقه الله فينا وفيهم.

ونَحن نقول: إِنَّه لا امتناع لاحتمال أن يكون الْمَانِع من رؤيتهم حجابا حائلا بين أبصارنا وأجسامهم؛ فلو زال الْحجاب لرئيت الْحقيقة وهذا ظاهر.

وحُجَّة الْمانعين: ظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ (اعراف: 27)﴾ قالوا: فهذا يَدُلُّ عَلَى أنَّ الإنس لا يرون الْجنّ؛ لأَنَّ قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ يتناول أوقات الاستقبال من غير تَخصيص.

٩٣٢ / ٥٬٣٨٩