معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٩٣

قالَ بَعضُهم: ولو قدر الْجنّ عَلَى تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاءوا وأرادوا لوجب أن ترتفع /448/ الثقة عن معرفة الناس؛ فلَعَلَّ هذا الذي أشاهده وأحكم عَلَيْهِ بِأَنَّه ولدي أو زوجتي جِنّي صوَّر نفسه بصورة ولدي أو زوجتي؛ وعَلَى هذا التقدير يرتفع الوثوق عن معرفة الأشخاص. وقال مُجاهد: قال إبليس: أُعطِينا أربع خصال: نَرى ولا نُرى، ونَخرج من تَحت الثرى، ويعودُ شيخنا فتَى ....

وَأُجِيب عن الأَوَّل: بأنَّ الآية عامَّة، وما ورد من الأَحَادِيث الْمتَقَدّم ذكرها مُخصِّص لَها.

قال الكرخي: أَمَّا قوله - عز وجل -: ﴿مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ فمعناه: إنَّكم لا ترونَهم في الْجُملَة كما يرى كُلّ واحد منَّا الآخر في أيِّ وقت شاء؛ فلا ينافي رؤيتهم في بعض الأوقات لأفراد من الناس، وهو مَعنَى قول بعضهم، ولا ينافي تلك الآية؛ لأَنَّ الآية إلى الغالب.

والْجَوَاب عن الثاني: أنَّ القول بإمكان رؤيتهم لا يستلزم قدرتهم عَلَى تصوُّرهم بغير صورهم، بل نقول بإمكانِها مع ثبوتِهم عَلَى صورتِهم التي خلقهم الله عَلَيْهَا.

ثُمَّ إنَّ ما مرَّ عن عمر بن الْخطاب من أن لَهم سحرة كسحرتنا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم يتخيَّلون للناس في صور مُختلفة مع بقاء حقيقتهم عَلَى خِلقتهم الأولى.

والْجَوَاب عن الثالث: أَنَّهُ لا حُجَّة في قول إبليس، ولا يَحتجُّ به مسلم، فلو صحَّ أَنَّهُ صادق فيما أخبر به لكان الْجَوَاب عنه أنَّ ذَلِكَ مَحمول عَلَى الأغلب من أحوالهم، كما حُمل مَعنَى الآية عَلَى ذَلِكَ، وَاللهُ أَعلَم.

وفي الأثر: أنَّ للجنِّ الْمواشي والأموال، وَأَنَّهُم عَلَى فِرَق شتَّى،

٩٣٣ / ٥٬٣٨٩