معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٩٤

وَالبلاغة: هي مُرَاعَاة مُقتَضَى حالِ المخاطَب، فقَد يكونُ الخطابُ بليغا فِي حقِّ قوم لِمُوافقته مُقتَضَى حالِهم، غَير بليغ فِي حقِّ آخَرينَ أن لو خوطبوا به؛ لأَنَّهُ لَمْ يوافِق مُقتَضَى حَالِهم، ومع ذَلِكَ فَهو بليغٌ؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا خوطبَ به من لا يليقُ بِحاله إِلاَّ ذَلِكَ الخطَاب، وذَلِكَ كافٍ فِي كونه بليغًا، ولذا اختلفَ الحالُ بَيْنَ خطابِ خالِي الذهنِ، وخطابِ المتردِّد، وخطابِ المنكِرِ كمَا بُيِّنَ فِي مَحلِّه، فَلذَلِكَ تَركتُ ذِكرَ الأَدِلَّة فِي هَذِهِ المنظومَة.

[منهجه فِي التأليف]

وقَد خالفتُ الخصالَ فِي تَرتيبِ أبوابِه ووضعِ كُتبه، فَرتَّبته عَلَى خلافِ ما جاء بِه، وجَمَعت كثيرا من الْمَسَائِل تَحْتَ قَاعِدَة واحدَة، وخلَطت كثيرا من الفوائدِ وجعلتُها فائدَة واحدَة، لا لِخَلل فِي ترتيبِ الأصلِ لَكن لِمُرَاعَاة حالِ أهل الزمانِ، فإنَّ حالَ أهل زمانِه – رحمة الله عَلَيهِ – يَقتضِي ذَلِكَ الوضع الذِي وضعه، وما عَلَى وضعِه من مَزِيد، وحالُ أهلِ زمانِي يَقتَضِي هَذَا الوضع الذِي وَضعتُه، فَمِن ثَمَّ وقعت المخالفَة كثيرًا فِي الترتيب، ِحَتَّى أَنَّ الناظر فِي المدارِجِ لا يَعرف أَنَّ أصلَ مَأخذهَا الخصَال، إِلاَّ بالوقوفِ عَلَى بَيَان ذَلِكَ.

وقد تَركتُ مِن خصالِه أشياءَ كثيرة ضاقَ النظم عَن إدخالِها فِيه، وَرُبَّمَا أَدخلتُ بَعْضَها بالإشارة /46/ إِلَيْهِ من بَعيد، وَرُبَّمَا أدخلتُ البَعْضَ الآخَر باندراجِه فِي طيِّ قَاعِدَة ذكرتُها، وقَد مِلتُ فِي بَعْضِ المواضع عن القولِ الذِي صحَّحه صاحب الخصالِ إِلَى تصحيحِ غَيره؛ لأَنَّ الْمَقَام مقام اجتهاد، وعلى كُلِّ مُجتهد أن يَنظر فِي القضيَّة، وعلَى كُلِّ واحد مِنْهُمْ أن يأخذ بنظرِه فِيها، إذ الأخذُ بنظرِه هو حُكم الله له فِي القضيَّة التي لَمْ يَنصّ عَلَى حُكمِها كتابٌ ولا سنَّة ولا إجماع، فلأَبي إسحاقَ – رحمة الله عَلَيهِ – ما نظر، ولغيره ما رآى.

فقولُ الْمُصَنِّف: (وَجِئتُ بالأعدلِ فِي تَرجِيحِه) مَعناه: أنِّي أتيتُ بِما هُو

٩٤ / ٥٬٣٨٩