الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩٣وَرُبَّمَا عَدَلتُ عَن … تَصحِيحِه … وَجئتُ بِالأَعدَلِ … مِن تَرجيحِه
وقَد حَذفتُ مِنه … مَا تكَرَّرا … مُحرِّرًا خِصالَه … مُختصِرًا
أي: زِدتُ فِي هَذِهِ المنظومَة مِن غَير خصالِ أبي إسحاق مَسَائِلَ كثيرة العدد، تُشابِه اللؤلؤَ العظيمَ الكبير فِي حُسنها وجَلالتها عند الناس، وإقبال العقولِ عَلَيهَا مُنكشفَة الأعلامِ بَيْنَ الأنام، لا يُجهل فَضْلُها، ولا يُنكر عَدلُها، معروفَة عندَ خواصِّ الناسِ بأدلَّتِها المقرَّرةِ /45/ عَلَى إثباتِها مِن الكتَاب والسنَّة والإجماعِ، غَير أَنِّي لَمْ أذكُر أدلَّتَها فِي هَذِهِ المنظومَة لضيقِ النظمِ عَن ذَلِكَ، ولأنِّي لا أَرى التطويلَ فِي التَّألِيفِ لِقصورِ هِمَم أهلِ الزمانِ عَن ذَلِكَ، خصوصًا فِي الكلامِ المنظومِ، فَإنَّهُ إِذَا ذَكرتُ فِيه أدلَّةَ الْمَسَائِل طالَ جدًّا، وتَقاعَست عَنه هِممُ الطالبِينَ؛ لأَنَّ الغرضَ مِن المنظومِ حِفظه عَلَى ظهرِ الغيبِ، ومعَ التطويلِ يَفوتُ هَذَا الغرَض؛ ولأنَّه يَجِبُ عَلَى كُلِّ مصنِّف أن يُراعي لِتصنيفه حالَ أهلِ زمَانه تأسِّيا بفعلِه - سبحانه وتعالى - في إرسالِ الرُّسُل إِلَى الأممِ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾، ورُوِيَ عنه - عليه السلام - أَنَّهُ قالَ: «أُمِرتُ أن أخاطبَ الناسَ عَلَى قَدرِ عُقُولِهِم».
وقَد خَاطبَ - صلى الله عليه وسلم - حِميَر بِلغتها، وَهُوَ عَدناني اللغة، وَكَذَا غَير حِمير أَيْضًا، فَينبَغِي لِكُلِّ مؤلِّف أن يُراعِيَ لسانَ قَومِه الذِينَ قَصدَهم بالخطابِ، فَيخَاطِبهم بِلغتهِم التي يَفهمونَها، ويُراعِي أحوالَهم فِي أفهامهِم فَيخاطبهم بقدرِ عُقُولِهِم.
وقد تَختلف هَذِهِ الأحوالُ باختلافِ القرون والأممِ، وتنوُّعِ اللغاتِ، ووفورِ الذكاءِ، وقوَّة الفهم، وتفاوتِ المراتبِ فِي ذَلِكَ، فلذَا تَرى نَهج الأقدمين فِي التَّألِيف غَير نَهج المتأخِّرين؛ فإنَّ الأقدمينَ إِنَّمَا يُخاطبونَ قوما لا يَليق بِحالِهم إِلاَّ ذَلِكَ الخطَاب، والمتأخِّرين يُخاطبون أقوامًا لا يليق بِحالِهم إِلاَّ ذَلِكَ الخطاب أَيْضًا.