الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٠٩ونسب بعض قومنا القول بطهارته إلى علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وابن عمر، وبه قال داود.
واستَدَلُّوا: بقَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ﴾، ﴿وَالله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِن مَّآءٍ﴾، والْمَاء طاهر لقَوْله تَعَالَى: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾. قالوا: فالتعلُّق بِهَذَا يوجب طهارته، وعَلَى من ادَّعى نَجاسته إقامة الدليل.
وَأيضًا: عن عائشة -رضي الله عنها- أَنَّهَا قالت: «لقد رأيتني أَعرِكُه من ثَوبِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَرْكًا فيصلِّي فيه».
قالوا: ولو كان نَجسا كالدم لَما كان الفرك مُطهِّرا له.
والْجَوَاب عن الأَوَّل: أنَّ تسميَّة الْمَنِيّ ماء لا يوجب طهارته؛ لأَنَّه معلوم أَنَّهُ ليس هو من الْمَاء الذي أنزله الله طهورا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بذَلِكَ لشبهه بالْمَاء في كونه مائعا؛ فلا يَجب أن يعطى أحكام الْمِيَاه، وَإِلاَّ لوجب أن يَجُوز منه الْوضُوء، وهذا باطل بالإجِمَاع.
والْجَوَاب عن الثاني: أنَّ الفركَ لا ينافي /456/ الغُسْل؛ فيحتمل أنَّ عائشة فركته ثُمَّ غسلته بعد ذَلِكَ، وإن كان ظاهر الْحَدِيث غير هذا، لكن يَجب صرفه عن ظاهره جَمعا بين الأَدِلَّة، وَإِلاَّ لتناقضت الأحكام، وَاللهُ أَعلَم.
والْحُجَّة لنا عَلَى نَجاسته: ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أَنَّهُ كَانَ يَغسِلُ الْمَنِيَّ ثُمَّ يَخرجُ إلَى الصلاَةِ فِي ذَلِكَ الثوبِ»، وما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أَنَّهُ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الْمَذيُ وَالوَديُ والْمَنِيُّ ودمُ الْحَيْضَةُ ودمُ النفاسِ نَجسٌ لاَ يُصَلَّى بِثَوبٍ وَقَعَ عَلَيْهِ شَيْء مِنهَا حَتَّى يُغسَلَ وَيَزولَ أَثَرُهُ».