الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٤٤أبطأ عنك جبريل؟ قال: «ولِم لا يُبطئ عنِّي وأنتم حَولِي لا تُقلِّمُونَ أَظفَارَكُم ولاَ تَقصُّونَ شَوارِبَكُم ولاَ تنقُّونَ رَوَاجِبَكُم» أي: فسبب إبطاء جبريل حصول هذه الأشياء منهم؛ لأَنَّ الْملائكة -عَلَيْهِم السلام-يُحبُّون التنظُّف التام، وَاللهُ أَعلَم. وفي الْمَقام مَسَائل:
الْمَسأَلة الأولى: في فرق الرأس
روي عن ابن عَبَّاس أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسدلُ شعره، وكان الْمُشرِكون يفرِّقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان يُحِبُّ موافقة أهل الكتاب فيما لَمْ يُؤمر فيه بشيء ثُمَّ فرَّق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه.
والظاهر أنَّ الفرق مع الْمُشرِكين بقيَّة من خصال إبراهيم - عليه السلام -، كالْخِتَان، والغُسْل من الْجَنَابَة، ومناسك الْحجِّ وغيرها من الْخصال الْمحمودة، وَإِنَّمَا أحبُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُوافقة أهل الكتاب لتمسُّكهم ببقايا شرائع الرسل، والْمُشرِكون وثنيُّون لا مستند لَهم إِلاَّ ما وجدوا عَلَيْهِ آباءهم.
وحبُّه موافقتهم كان في أَوَّل الأمر عند قدومه الْمَدِينَة، في الوقت الذي يستقبل قبلتهم فيه لتأليفهم، فلمَّا لَمْ ينفع فيهم ذَلِكَ، وغلبت عَلَيْهِم الشقوَة أمر بِمخالفتهم في أمور كثيرة.
وحكمة عدوله عن موافقة أهل الكتاب: أنَّ الفرق أنظف وأبعد عن الإسراف في غسله.