مناهج التشريع الإسلامي (ومناهج البحث العلمي عند علماء المسلمين) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

مناهج التشريع لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ١٣

… قوله لنا "نكف" بمعنى لنكف بدلي قوله: "ووثقتم لنا كل موثق" وبدليل قوله: "كانت عهودكم" فإن "لعل" لو كانت تعطي معنى الرجاء فقط لما كانت بمنزلة العهد الموثق، فإن قوله سبحانه وتعالى: ((لعلكم تتقون)) بمعنى لتتقوا، فإذن كيف نستفيد التقوى من الصيام؟ استفادة التقوى من الصيام هي أن المرء يحتاج في صيامه أن يغض بصره عن الحرام، وأن يمنع يده عن الحرام، وأن يمنع لسانه عن الحرام، وأن يمنع أذنه عن الحرام بحيث يضبط نفسه ويقيد جوارحه عن كل هجر من المقال، وقبيح من الأفعال، فإذا اعتاد ذلك استطاع أن يتمسك بحبل التقوى في جميع العام، وهان عليه أن يضبط نفسه عن محارم الله تعالى، لأنه خرج من مدرسة خلقية، كما استدلوا لذلك بما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه))، فإن الكلام لا يخرج إلا مخرج التهديد "فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" أي تركه الطعام والشراب ليس له قيمة عند الله تعالى، كما استدلوا لذلك بما رواه الإمام الربيع في مسنده من طريق ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له،ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله))، واستدلوا أيضاً بما أخرجه الأئمة من طريق أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الصيام جنة فإذا كان يوم صيام أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن أحد سابه أو قاتله فليقل إني صائم)) فإذا كان الصائم ممنوعاً عن مواجهة الإساءة بمثلها والرد عليها بنظيرها، فكيف يقارف المعصية بنفسه وتصدر منه الإساءة إلى غيره،فالحديث يدل على أن الصائم لا يطلب منه مجرد الكف عن الإساءة إلى غيره بل يطلب منه أن يتحمل هذه الإساءة من غيره، وأن لا يرد عليها بمثلها.

١٣ / ٤٠