مناهج التشريع لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٧وقد وجه أحد علماء الإباضية في شمال إفريقيا رسالة إلى الإمام السالمي في عام ألف وثلاثمائة وستة وعشرين للهجرة -أي ما قبل ما يقارب من تسعين عام من الآن- وجه إليه رسالة يسأله فيها عما تعيشه الأمة الإسلامية من تفرق، أليس منشأ ذلك التعصب للمذاهب؟ ولئن كان الجواب بالإيجاب، فإذن ما رأيكم فيمن يسعى إلى جمع هذه المذاهب والقضاء على التعصب لها، وإذا قلتم بأنه محسن -أي من دعا إلى ذلك كان محسناً- فما رأيكم في المكان اللائق بهذا الأمر؟ وما الذي يستوجبه من النفقات؟ وما الذي سيستغرقه من الزمان؟ فكان جوابه عن ذلك "بأننا نسلم أن التعصب للمذاهب هو منشأ هذا التفرق الذي تعيشه الأمة الإسلامية ونقول: بأن من دعا إلى وحدة هذه الأمة وعدم انتمائها إلى هذه المذاهب بحيث لا تنتمي إلا إلى الإسلام ولا تعتمد إلا على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول فيه بأنه محسن،وفي هذه الحالة يكون كل واحد من الناس يبدأ أولاً في التجرد في النظر بحيث لا يكون مستنداً في عمله إلا إلى الكتاب العزيز وإلى السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم، وبهذا يتلاشى هذا التعصب شيئاً فشيئاً، وخير مكان يرشح لأن يكون فيه القيام بهذه الدعوة وجمع هذا الشتات هو مكة المكرمة حيث يتجه المسلمون في صلواتهم وفي حجهم، فالبيت الحرام الذي هو مهوى أفئدة المؤمنين ومستقبلهم في صلاتهم، هو المكان المهيأ لأن يجمع هذا الشتات ورحابه هي التي تسع الذين يتحدثون في هذا الأمر، والزمان لا يمكن أن يحدد بفترة معينة لأن ذلك يختلف باختلاف الجهود التي تبذل، ولئن اشترك في ذلك قادة المسلمين وحكامهم كان ذلك أدعى إلى التوفيق وأدعى إلى النجاح بحيث يتم هذا الأمر بسرعة أكبر بخلاف ما إذا تملص الحكام من هذا الأمر وهكذا نجد أن التفكير عند الإباضية في جمع شتات هذه الأمة وفي وحدة صفها وفي رأب صدعها أمر مركوز في طباعهم منذ قديم الزمان وهم يسعون إليه ويحرصون