حال المخطوطات في المكتبات الخاصة بشمال الصحراء لعمر لقمان
الجزء ١ · صفحة ١٢فوضعها المبكي يمكن أن يغيَّر بمصاريف أقلَّ من التي بنيت بها المكتبة، وذلك بتغيير اتجاه أبوابها ونوافذها، وإحكام غلق خزاناتها. كما أن استدبار الرياح الغربية الرملية، والشمالية الباردة، وعزل طابقها الأرضي بطابق علوي، يمكن أن يعين علىحفظها. وتضييق الأقواس وفتحها على شكل يسمح بوجود النور بشكل كاف عند الشروق، وبشكل محدد عند الزوال، وبشكل كاف عند الغروب يعين على وجود جو رائق للمخطوطات. وهذا ما نلاحظه في العمارة القديمة بميزاب، فقد استفاد أهلها من الطبيعة القاسية، كما التزموا بالضوابط الشرعية الموجودة في كتاب أصول الأرضين لأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائبي النفوسي المتوفى سنة 504هـ/1110م. وكذا مختصر العمارة للشيخ امحمد بن يوسف اطفيش رحمه الله المتوفى سنة 1332هـ/1914م.
ومن أطرف ما يحضرني بالتأمل، وليس ضروريا أن أكون صائبا في الأمر، كيف كان وضع الكهف المذكور في القرآن وما فيه الخصائص التي أبقت على نضارة الشباب الذين آووا إليه.
انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَّاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَالِكَ مِنَ ـ ايَاتِ اللَّهِ مَنْ يَّهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُّضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ، وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾ (الكهف: 17) ، فالملاحظ أن الديار القديمة في ميزاب قد اهتمت بهذا الجانب مراعاة للضوابط الشرعية، فهي مستدبرة للرياح الدائمة، ومفتوحة على النور الضروري في عوارض سطوحها، ومضيِّقة للنور الساطع في أقواسها وسواريها المتقاربة، والشمس تدخل إليها عبر العوارض الواسعة عند الشروق، وتحصر بالسواري الضَّيِّقَة عند وجود الشمس في كبد السماء، ثُمَّ تتلقى أَشِعَّة الغروب عَبْرَ العوارض، ونجد أغلى ما يحفظ فيها يكون في الطابق الأرضي في فجوة منها، مثل خوابي التمر، وخزانات الكتب.