وَیَوۡمَ یَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ یَلۡبَثُوۤا۟ إِلَّا سَاعَةࣰ مِّنَ ٱلنَّهَارِ یَتَعَارَفُونَ بَیۡنَهُمۡۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَاۤءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُوا۟ مُهۡتَدِینَ٤٥
الرسم الإملائيّ
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ
الجزء ١١الربع ٨٥ صفحة ٢١٤
تفسيرها
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ﴾ في قبورهم ، وقيل: في الدنيا ﴿إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ﴾ ، لأن الماضي في حقهم كأن لم يكن ، استقصروا (لعله) المدة لهول ما ﴿.....﴾ ، وإنما هم كأنهم أبناء ساعتهم ، وكذلك تعاقب أحوالهم في الدنيا بالخير والشر ، كأن الماضي بهم لم يكن .﴿ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ يعرف بعضهم بعضا. ﴿دْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ﴾ قد اشتروا التجارة البائرة ، فخسروا ، وتعاموا عن التجارة التى لن تبور ، والمراد بالخسران خسران النفس ، ولا شىء أعظم منه. ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ للتجارة التى لن تبور.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٠٩
قوله : ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأن لَّمْ يَلْبَثُوا ﴾ أي : في الدنيا ﴿ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ ﴾ أي : في طول ما هم لابثون في النار .
قوله : ﴿ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ثلاثة مواطن لا يعرف فيهن أحد أحداً : عند الميزان ، حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل ، وعند تطاير الكتب ، حتى يعلم أبيمينه يأخذ كتابه أم بشماله ، وعند الصراط ، حتى يعلم أيجوز الصراط أم لا يجوز » وقال في آية أخرى : ﴿ وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ﴾ [ المعارج : 10 ] . وهي مواطن؛ فمنها ما يتعارفون فيها ، ومنها ما لا يتعارفون فيها . وهذا قول الحسن .
قوله : ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ الله ﴾ أي : الذين كذبوا بالبعث ، خسروا أنفسهم أن يغنموها فصاروا في النار . ﴿ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ أي : لو كانوا مهتدين ما خسروا أنفسهم .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٠٩
﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ الضمير يحشر المنكرين للبعث إِياهم وغيرهم من سائِرِ المنكرين أَو متعلق بيتعارفون وقوله ﴿ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ ﴾ حال من الهاءِ ، ولا يصح أَن يكون نعتاً ليوم بتقدير الرابط ، أَى كأَن لم يلبثوا فيه لأَن يوماً معرفة بالإِضافة إِلى جملة مشتملة على معرفة لأَن المعنى يوم حشرناهم أَو حشرنا إِياهم بإِسكان الشين فيهما وكسر الراء وأَما أَن يقدر ويم حشر منا لهم فخطأ ولا حاجة إِلى جعله نعتاً لمصدر على تقدير الرابط ، أَى حشرا كأَن لم يلبثوا قبله لأَن عدم الحذف أَولى من الحذف ، فكيف حذفان؟ والمراد اللبث فى الدنيا أَو اللبث فى القبور أَو كلاهما . يستقصرون كل ذلك لهو الحشر لأَن وقت الشدة طويل بها ولو قصر ، وهذا نفس وقت الحشر وهو البعث من القبور خاصة ، وأَما اللبث فى الحشر فهو فى نفسه مع شدته طويل الزمان ، والسعداء لا يستقلون لبثهم فى الدنيا والقبر ، والظاهر أَن الاستقلال يلحق الموتى مطلقاً لعظم الهول على الكل إِلا أَنهم يتفاوتون فى ذلك ، ثم إِنه كيف يستقل الكافر لبث القبر مع أَنه معذب فيه حتى كأَنه لبث ساعة ، ولعله لإِفضائِه بعد القبر إِلى العذاب الدائِم ، وإِن أُريد باللبث البرزخ العام بعد قيام الساعة فإِنه لا يعذبون فيه وهو أَربعون عاماً ، فالأَمر ظاهر ، والساعة مطلق الوقت وأَضيفت للنهار لأَن الساعة فى النهار أَظهر منها فى الليل ، وربما تقوى بذكر النهار أَن المراد اللبث فى الدنيا ، ولا يخفى أَن المسلم أَيضاً لا يدرى كم لبث فى القبر ، فلا يتم ما قيل من ترجيح حمل اللبث على اللبث فى الدنيا بأَن الكافر هو الذى لا يعرف كم لبث فى قبره ، واسم كان ضمير المحشورين أَى كأَنهم لم يلبثوا أَو الشأْن ، أَى كأَنه لم يلبثوا ، ومن فوائِد هذا التشبيه الإِشارة إِلى أَن طول مكثهم كأَنه طول ساعة فلم يتعاص عنه البعث لطوله ، وكونهم عظاماً وتراباً ورفاتاً وإِلى أَنه كوقت قريب جداً يسهل معه البعث بلا تغيير مع أَن الأَمر كله عنده سواءٌ طوله وقصره ، ويناسب هذا قوله ﴿ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ فإِن التعارف أَنسب بالزمان القليل حتى لا ينكر بعض بعضاً لطول العهد ، والجملة حال من هاءِ نحشرهم أَو واو لبثوا مقدرة لأَن التعارف غير مقترن بالحشر ، وهو الحشر بمعنى الجمع فى الموقف ، وقد تجعل الحال مقارنة على التفسير بالبعث لقربه بالتعارف ، وقد قيل يتعارفون عند البعث ثم ينقطع فى الوقت لشدة الهول حتى كأَنه لا يعرف بعض بعضا ولتغير وجوههم وصفاتهم ، فذلك الوقت غير وقت قوله فلا أَنساب بينهم ، ولا يسأَل حميم حميماً الآيتين ، ولكن يرجع التعارف بعد انقطاعه لقوله تعالى : ولو ترى إِذ الظالمون ، وقوله تعالى : كلما دخلت أُمة ، وقوله تعالى : ربنا إِنا أَطعنا ، الآيات ونحو ذلك ، وللآثار الواردة فى أَن الوالد يطلب من ولده الحسنة وبالعكس ، ونحو هذا فالتعارف الأَول مطلق وما بعده توبيخ أَو طلب أَو نحو ذلك ، ولهم مواطن يتعارفون فى بعضها دون بعض ، أَو التعارف المنفى تعارف تواصل ، والمثبت تعارف التوبيخ وعن الحسن يعرف الرجل صاحبه إِلى جانبه ولا يكلمه ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ ﴾ مستأْنف أَو حال من واو يتعارفون أَو هاءِ نحشرهم ، والرابط الذين لأَنه قائِلين قد خسر إِلخ ، ولقاءُ الله البعث ﴿ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ إلى طرق النجاة ، أَو عارفين بأَحوالها ، عطف على خسر الذين ، إِلخ أَو على كذبوا إِلخ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٠٩