سورة التوبة · الآية ١ من ١٢٩

‹ السورة السابقة
بَرَاۤءَةࣱ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۤ إِلَى ٱلَّذِینَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ١
الرسم الإملائيّ

بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

الجزء ١٠الربع ٧٥ صفحة ١٨٧

تفسيرها

[سورة التوبة — آية 1]

﴿ بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ ﴾ أي : هذه براءة من الله ﴿ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ المعنى : أن الله ورسوله قد برئا من العهد الذين عاهدتم به المشركين وأنه منبوذ إليهم .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٣٦

[سورة التوبة — آية 1]

قوله : ﴿ بَرَاءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ ﴾ يعني بالبراءة براءة من العهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين مشركي العرب . يقول للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : ﴿ بَرَاءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ، ثم أقبل على أهل العهد من المشركين فقال :

﴿ فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ وكان ذلك بقية عهدهم من يوم النحر إلى عشر ليالٍ يمضين من ربيع الآخر ، وهو العام الذي حجّ فيه أبو بكر الصديق ونادى فيه عليّ بالآذان .

وفي تفسير الحسن أن النبي عليه السلام أمر أبا بكر أن يؤذن الناسَ بالبراءة . فلما مضى دعاه فقال : إنه لا يبلغ عني في هذا الأمر إلا من هو من أهل بيتي . وقال بعضهم : إلا من هو مني . فأمر بذلك علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه .

ذكر الأعمش عن بعض أشياخه أن النبي بعث ببراءة مع أبي بكر ، ثم أتبعه علياً . فأمره أن ينادي بها . ورجع أبو بكر إلى النبي يبكي ، فقال : يا رسول الله ، هل أنزل في شيء؟ قال : لا . فذكر ما لا أحفظه وحج أبو بكر بالناس ذلك العام .

ذكروا أن مجاهداً قال : ﴿ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ، يعني خزاعة ومدلج ومن كان له عهد غيرهم .

أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ منها ، فأراد أن يحج . ثم إِنه قال : « إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة ، ولا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك » فأرسل أبا بكر وعلياً فطافا بالناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون فيها ، وبالموسم كله ، فآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر ، وهي الأربعة الأشهر المنسلخات المتواليات : عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الأخر ، ثم لا عهد لهم .

ذكروا أن أبا بكر أُمِّر يومئذٍ على الحاج ، ونادى فيه علي بالأذان . وكان عام حجّ فيه المسلمون والمشركون ، فلم يحج المشركون بعده .

قوله : ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله ﴾ أي إنكم لستم بالذين تعجزون الله وتسبقونه في الأرض حتى لا يقدر عليكم . ﴿ وَأَنَّ الله مُخْزِي الكَافِرِينَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٣٦

[سورة التوبة — آية 1]

﴿ بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ ﴾ بفتح النون لا بكسرها تحقيقا لكسرة مدخولها على أَل ، وقرأَ أَهل نجد بكسرها مع أَل أَيضا . وهو ضعيف لاجتماع الكسرتين مع كثرتها ، وأَما مع ساكن غير أَل فالراجح الأَفصح الكسر نحو من ابنك . وشق له من اسمه ليجله . والفتح ضعيفا ، قاله الجاربردى ﴿ وَرَسُولِهِ ﴾ من عهد المشركين ، متعلق ببراءَة . وأَما من فى الآية فمتعلق بمحذوف نعت ، وبراءَة خبر لمحذوف ، أَى هذه براءَة ، أَى تخلص وانقطاع عن العهد ، ومن الله نعت ، وقوله ﴿ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدّتُمْ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ متعلق ببراءَة . . أَو هو خبر ، أَو يقدر خاصا أَى واصلة ، وبراءَة مبتدأ والأُولى أَولى لأَنه أَفاد أَن هذه براءَة بخلاف الثانى ، فإِن المخاطبين لا عهد لهم ببراءَة صادرة من الله يخبرهم الله بأَنها قد وصلتهم ، قال السعد : يجب علم المخاطب بالنسبة التقييدية أَى كالنعت مثلا ، اللهم إِلا أَن يدعى أَنهم علموا بها أَو نزلوا منزلة العالم ، وكلاهما بعيد ، نعم لا مانع من التوسع فيها ولو بلا علم من المخاطب . والمعاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونسبت إِلى الصحابة معه لرضاهم بها واتفاقهم ، ونسبت البراءَة من العهد إِلى الله ورسوله ، ولم تنسب إِليهم مع أَنهم عاقدون له ، والناقض هو الذى يعهد لأَن عقده بإِذن الله ورسوله فتبرأَ الله ورسوله منه بالنقض ، ولأَن العهد مباح بخلاف البراءَة فإِنها واجبة فنسبت للشارع سبحانه ، وذكر بعض أَن نسبة العهد إِلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فى مقام نسب فيه النبذ من المشركين لا يحسن أَدبا كما قال صلى الله عليه وسلم لأُمراءِ السرايا : « إِذا نزلتم على حصن فطلبوا النزول على حكم الله أَو على ذمة الله عز وجل فأَنزلوهم على حكمكم وذمتكم فإِنكم لا تدرون أَصادفتم حكم الله فيهم أَم لا ، ولأَن تخفر ذمتكم خير من أضن تخفر ذمة الله » فانظر كيف أَدبهم . فتوقير عهد الله تعالى وقد نكثه المشركون أَحرى بأَلاَّ ينسب العهد المنكوث إِلى الله فينسب العهد إِلى المسلمين لا إِليه ، وقيل : نسب العهد إِلى المسلمين لعلمه تعالى أَنه ينكث ، وقيل ذكر الله للتمهيد كقوله تعالى : ﴿ لا تقدموا بين يدى الله ورسوله ﴾ وناسبه أَنه لم يتعد منْ كما أَعيد عند فى قوله تعالى « كيف يكون للمشركين » إِلخ . وقوله عز وجل « براءَة من الله » إِلخ . خبر لفظا أَمر معنى . نقض الكفرة العهد إِلا بنى ضمرة وبنى كنانة فوقهم نسبا ، فأَمر الله بنبذ العهد إِلى الناكثين ، وأَمهل غيرهم أَربعة أَشهر ، بسبب نقضهم له . وأَرجأَت المنافقين حين خرج صلى الله عليه وسلم إِلى تبوك ، وإِنما يسوغ له صلى الله عليه وسلم لخيانة ظهرت منهم ﴿ فإِما تخافن من قوم ﴾ إِلخ . . أَو لتغييى العهد بنقض الله أَو بتمام مدة جعلت له .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٣٦