فَقَالُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَا رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةࣰ لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِینَ٨٥
الرسم الإملائيّ
فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
الجزء ١١الربع ٨٧ صفحة ٢١٨
تفسيرها
﴿فَقَالُواْ:عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ إنما قالوا ذلك ، لأن القوم كانوا مخلصين ، لا جرم أن لله قبل توكلهم وأجاب دعاءهم ونجاهم ، وأهلك من كانوا يخافونه ، وجعلهم خلفاء في أرضه ، فمن أراد أن يصلح للتوكل على ربه فعليه برفض التخليط للاخلاص ﴿كذا﴾.﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ موضع فتنة لهم ، أي: عذاب يعذبوننا ، أو يفتنوننا عن ديننا ، أي: يضلوننا ، والفاتن: المضل عن الحق.﴿ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ من كيدهم ، ومن شؤم عداوتهم.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٤٩
﴿ فَقَالُوا عَلَى الله تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ .
ذكروا أن مجاهداً قال : قالوا : لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون ، ولا بعذاب من عندك ، فيقول فرعون وقومه : لو كان هؤلاء على حق ما عذِّبوا وما سُلِّطنا عليهم [ فيفتتنوا بنا ] ﴿ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكَافِرِينَ ﴾ أي : من فرعون وقومه .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٤٩
﴿ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى ﴾ انقاد له أَول أَمره كما تدل له الفاءُ لما أَلقوا وأَلقى عقبه إِيمان قليل كما قال ﴿ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ ﴾ شبان ﴿ مِنْ قَوْمِهِ ﴾ من قوم موسى على معنى أَن غالب ذرية بنى إِسرائيل كفروا حين كانوا فى حكم فرعون ، دعاهم موسى فلم يجيبوه إِلى الإِسلام ، وأَجابه القليل مهم سراً كما قال ﴿ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ ﴾ أَن يعاقبهم على الإِيمان بموسى ، وعلى خوف بمعنى مع خوف ، وهو متعلق بمحذوف حال . وقيل الذرية الإِسرائيليون الذين بمصر أَرسل إِليهم موسى وقد كفروا بالقهر ومخالطة القبط ، كما أَرسل إِلى القبط . هلك الآباءُ وبقيت الأَبناءُ وسمعوا ذرية بهذا الاعتبار ، وقيل نجا قوم من قتل فرعون وكفروا ، كانت المرأَة إِذا ولدت ولدا أَسلمته لقبطية خوفاً عليه فينشأُ على الكفر ، ولما غلب موسى آمنوا ، ولفظ ذرية للقلة وحداثة السن ، وقيل المراد مطلق الإٍسرائيلين ، كانوا على الإِيمان ولم يطيقوا إِظهاره ، ورجوع هاءِ قومه إِلى موسى هو الظاهر ، وقيل الهاءُ لفرعون وفيه أَنه لو كان كذلك لقيل إِلا ذرية من قومه على خوف منه برد الهاءَين إِلى فرعون لظهور أَنه لا خوف من موسى على الإِيمان ، أَو قيل إِلا ذرية من قوم فرعون على خوف منه كامرأَة فرعون ومؤمن آل فرعون وخازنه وامرأَة خازنة وماشطة ابنتى فرعون ، وقيل ماشطة فرعون نفسه ، كانت له ضفائِر عين لها ماشطة . قال الفراءُ : سموا ذرية لأَن آباءَهم من القبط ، كما سمى أَولاد فارس الذين نقلوا إِلى اليمن الأَبناءُ لأَن أَمهاتهم من غير جنس الآباءِ ، وكان الرجل يتبع أُمه وخاله فى الإِيمان ، واعترض رد الضمير لفرعون ببعده وقرب موسى ، مع أَن إِعلان الإِيمان من قوم فرعون غير منقول قبل هلاكه إِلا السحرة ، وبأَن موسى هو المحدث عنه ، واعترض بأَن الكلام فى قوم فرعون لأَنهم القائِلُون أَنه ساحر ، وأَن بنى إِسرائيل فى قهر فرعون وبشروا بالخلاص على يد مولود نبى صفته كذا ، ولما ظهر اتبعوه ، ولم يعرف أَن أَحدا منهم خالفه ، وفى الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم باَن معجزات موسى مدركة بالحس ظاهرة ، ومع ذلك لم يؤمن به من قومه إِلا قليل ﴿ وَمَلَئِهِمْ ﴾ ملإِ فرعون ، وكان بضمير الجمع على عادة الناس فى رد ضمير الجمع للواحد تعظيماً على فرض اعتياد ذلك فى قوم فرعون كما يصف الله الأَصنام بصيغ العقلاءِ كالذين لأَن ذلك عادة عابديها ، واعترض بأَن التعبير بالواحد عن الجمع تعظيماً معتاد فى التكلم كما يقال نحن فعلنا والمراد واحد والخطاب نحو رب ارجعون وقوله : أَلا فارحمونى يا إِله محمد . إِلا أَن الفارسى نقله فى الغائب ، والحافظ حجة والمثبت مقدم عن النافى ، أَو فرعون هنا اسم لقومه كعاد وثمود اسم للقبلتين مسميين باسمى أَبويهما ، وكربيعة ومضر وقريش ، واعترض بأَن هذا فى القبيلة وأَبيها وفرعون ليس أَبا للقبط مع أَن مثل هذا محتاج إلى السماع لا مقول بالقياس ، فلا يقال فلان من هاشم بل من بنى هاشم وهكذا ، أَو الهاءُ للذرية أَو لقوم موسى أَو قوم فرعون سواءٌ جعلنا الضمير فى قومه لموسى أَو لفرعون ، وإِذا جعلنا الهاءَ للذرية فالمراد ذرية فرعون لا ذرية موسى ، إِذ لا وجه لخوف الذرية المؤمنة من ملئِهم ، إِلا أَن يراد ملأُ بنى إِسرائيل الناشئِين تحت فرعون فى كفر أَو الناشئِين فى إِيمان ، خافوا الهلاك على من دونهم فمنعوهم من الإِيمان أَو إِظهاره ، وقيل عائِد إِلى الأَل المقدر هكذا ، على خوف من آله فرعون ، ويرده أَنه لا دليل عليه ، وقد وجدنا مرجعاً للهاء بدون هذا التقدير ، وكذا يرد على من قدر على خوف من فرعون وقومه وملئِهم ، وقول السعد والرضى جمع المفرد تعظيماً مختص بضمير المتكلم غير مسلم ، بل يقع فى ضمير المخاطب والغائب أَيضاً كما مر ، والظاهر كما ورد لأَن العلة واحدة ، وإِذا أَطلق اسم الأَب على قبيلته فتارة يراد معها وتارة تراد دونه ، وإِذا عبر بآل فلان فتارة يراد فلان وتارة كلاهما وتارة أَهله دونه ﴿ أَن يَفْتِنَهُمْ ﴾ يصرفهم عن دينهم بالعذاب ، والمصدر بدل اشتمال من فرعون أَو مفعول به لخوف من إِعمال المصدر المنون أو علة لمحذوف أَى أَسروا لئَلا يفتنهم ، ولم يجمع ضمير الرفع فيعود لفرعون والملأَ ، لأنَ الصرف والعذاب منهم تبع لع وعمل بأمره ، وكأَنهم لم يخافوا سواه ، وإِن أُريد من فرعون قومه على ما مر فرد الضمير إليه هنا لنفسه خاصة استخدام ﴿ وَإِنَّ فِرْعْونَ لَعَالِ ﴾ متكبر غالب .
﴿ فِى اْلأَرْضِ ﴾ هذا تأْكيد لما قبله لأَن العلو من أسباب تمكن التعذيب ، والمراد بالأَرض أَرض مصر ﴿ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴾ المبالغين فى التكبر حتى ادعى الربوبية وطرح العبودية حتى قال أنا ربكم الأَعلى ، واسترق أَسباط الأَنبياءِ وسفك الدماءَ .
﴿ وَقالَ مُوسَى ﴾ تثبيتا للقلوب من آمن به إذ خافوا ﴿ يَاقَوْمِْْ ﴾ خطاب لبنى إسرائيل أو لمن آمن به ، ولو آمن القبط فإن الإِيمان به كالكون من قومه ﴿ إِنْ كنْتُمْ آمَنتمْ بِاللهِ فَعَليْهِ ﴾ لا على غيره ﴿ توَكَّلُوا إِنْ كُنتمْ مُسْلِمِين ﴾ ذا الشرط شرط لجواب الشرط الأَول مع شرطه ، فليس من تعليق الحكم بشرطين لأَنه لا يجوز إلا بالتبعية كالعطف ، وذلك كقوله إن جاءَ زيد فأَطعمه إن جاع ، فالجوع شرط بمجيءِ زيد ووجوب إِطعامه ، والشرط وجوابه مغنيان عن جواب الشرط بمجيءِ زيد ووجوب إطعامهن والشرط وجوابه مغنيان عن جواب الشرط الثامين والمعلق بالإِيمان وجوب التوكل المأْخوذ من الأَمر المجرد عما يخرجه عن الوجوب ، والمشروط بالإِسلام حصوله ، فإنه لا يوجد مع اختلاط تعميده تعالى باعتماد غيره ، ومقام السليم فوق مقام التوكل ، إِن كنتم مسلمين توكلتم عليه ، وليس هذه قاعدة ، والحق ما ذكرته ، وهذا كما نقول في الضمير المتأَخر لفظاَ يجب تقدمه معنى ، والمتقدم لفظاً يجب تأَخره معنى كقوله إن دخلت الدار فأنت طالق مشروط بقولك إن كلمت زيداً ، والإسلام هنا الاستسلام بالأَعمال وإلغاءُ النفس ، والإيمان التصديق ، والتوكل إسناد الأُمور إليه تعالى ، والدعاء والتسبب لا ينفيان التوكل إذ بنيا عليه .
﴿ فَقَالُوا عَلَى اللهِ ﴾ لا على غيره ﴿ تَوكَّلْنا ﴾ الفاءُ لترتيب قولهم هذا على قول موسى باتصال وقدموا على الله للحصر ، كما طلب موسى ، وكون توكلنا إِنشاءً أَولى من أن يكون إخباراً ﴿ رَبَّّنا لا تّجْعَلْنَا فِتْنَةً ﴾ أى محل فتنة بتقدير مضاف لأَنَ المعانى لا تحمل على الذوات ، وحذف المضاف لتكون الصورة مبالغة ﴿ لْلقَوْمِ الظَّالِمينَ ﴾ فرعون وقومه ، وأل للعهد ، أَظهر فى موضع الإضمار للوصف بالظلم ، أَو يراد مطلق الظالمين فيدخل فرعون وقومه ، ومعنى جعلهم فتنة للظالمين أَن يغلبهم الظالمون فيظن الظالمون ومن ضعف إيمانه أَن المؤمنين ليسوا على الحق فيستمروا على الكفر ويتبعهم الضعفاء ، أو معناه أَن تسلطهم علينا فيعذبونا ، أَو معناه أَ يفتنونا عن ديننا .
﴿ وَنَجَّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ اْلقَومِ اْلكَافِرِينَ ﴾ فرعون وقومه فوضع الظاهر موضع المضمر أو الكافرين على الإطلاق كما مر ، والمراد نجنا من كيدهم وشؤْمهم أَو من أَيديهم أَو شؤْم مشاهدتهم لأَن معاشرة الأَشرار مصيبة تتعب الأَبرار وتزيد فجوز الفجار ، أَو الظالمين الملأُ الذين تخافون منهم ، والكافرين ما يعمهم وغيرهم ، وقدموا التوكل على الدعاءِ بأَن لا يجعلهم فتنة وبالتنجية لتجاب دعوتهم لأَنه من لم يتولك يضطرب .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٤٩