وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِیزࣲ٢٠
الرسم الإملائيّ
وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
الجزء ١٣الربع ١٠٣ صفحة ٢٥٨
تفسيرها
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تعلم الخطاب لكل أحد ، ﴿أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ﴾ بالحكمة لأمر عظيم لو علمتم ، لا عبثا ولا لعبا . ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ إن عصيتم ، ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أطوع ، أي: قادر على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقا آخر ، اعلم بأنه قادر على إعدام الموجود ، وإيجاد المعدوم ، ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٧٠
قوله : ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾ أي : يصير الأمر إلى البعث والحساب والجنة والنار . كقوله : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي : ألا بعث ولا حساب ، ولا جنة ولا نار . ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾ [ سورة ص : 27 ] .
قوله : ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ أي : يهلككم بعذاب فيستأصلكم ﴿ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ أي : آخرين . ﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى الله بَعَزِيزٍ ﴾ [ اي : لا يشق عليه ] .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٧٠
﴿ وَمَا ذَلِكَ ﴾ المذكور من إِهابهم والإِتيان بخلق جديد من جنس البشر أَو غيره ﴿ علَى اللهِ بِعَزِيزٍ ﴾ صعب أَو محال؛ لأَن قدرته ذاتية لا تعجز عن شىءٍ ، فهو الذى يؤمن به ويعبد رجاءَ ثوابه ، وخوف عقابه ، يوم يبرزهم الله من قبورهم كما قال : ﴿ وَبَرَزُوا ﴾ من قبورهم ﴿ للهِ جَمِيعاً ﴾ يبرزون تحقيقاً ولا بد ، ولذلك كان اللفظ ماضيا ، وكأَنهم برزوا الآن للحساب أَو لله إِذا كانوا يخفون المعصية ويتوهمون أَنه لا يراهم عليها ولا يعلمها ، والمراد برزوا لخلق الله أَو لأَجل الله ، أَو برزوا صاروا فى الأَرض البراز وهى المتسعة التى لا حاجب فيها ، والله جل وعلا يبعث الأَجسام والأَعراض المتصلة كالبياض والحمرة والصفرة والسواد والطول والقصر والغلطة والرقة ، والمنفصلة كالحركة والسكون والصوت والضرب ، وما فى قدرة العبد وما ليس فى قدرته كحركة الأَنباض والأَنفاس والعلم والجهل ، كما قدر على إعادة الذات قدر على إِعادة العرض ، وقيل : لا تعاد الأعرض للزوم قيامها لو ردت بالأَعراض التى بعد البعث أَو معها وذلك محال ، وعبارة بعض أن المعاد بمعنى هو الإِعادة ، فيلزم قيام المعنى الذى هو الإِعادة بالمعنى الذى هو العرض ، وهو محال وهو الصحيح عندنا ، وقال جمهور قومنا : بالإِعادة للعرض ، واختلف هل يعاد الزمان؟ قيل : يعاد تبعاً للأَجسام لقوله تعالى : ﴿ بدلناهم جلوداً غيرها ﴾ لأَن المراد الغيرية بحسب الزمان ، وإِلا فالجلود هى الأَولى بأَعيانها لأَنها هى التى عصت قلنا لا بعاد الزمان ، وإِلآ دخل زمان فى زمان ، وتبعث الجلود الأَولى وتفنى فى جهنم ويبدل جلود أَخرى غير الدنيوية ، وليست الجلود معذبة بل الروح ، وحقيقة إدراك الروح ، وكيف يجتمع الزمان الماضى والحاضر والمستقبل الدنيوية فى وقت واحد ، وكيف تجتمع مع أَزمنة يوم القيامة ، وإِن أُجيب بأَن ذلك تدريج لا دفعة كما كانت فى الدنيا تدريجا بقى أَنها كيف تجتمع مع زمان الآخرة ﴿ فَقَالَ الضُّعفاءُ ﴾ هم المرءُوسون سموا لضعف رأْيهم وضعف عزهم ، وقد يكون رأْيهم غير ضعيف فيبقى ضعف عزهم ومالهم وبدنهم إِن ضعفا ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ هم الرؤُساءُ الذين استغووا الضعفاءَ ، وقد يكون الضعيف أَشد كفرا أَو مساوياً للرئِيس لكنه ضعيف من حيث لو رده الرئِيس إلى ما دون كفره أَو كفر آخر لتبعه ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ ﴾ لا لرأْينا ﴿ تَبَعاً ﴾ فى عبادة غير الله وفى تكذيب الرسل والكتب ، أَو إِنكار الله - عز وجل - ، جمع تابع كخادم وخدم بفتح الخاءِ والدال ، وغائِب وغيب ، أَو مصدر بمعنى اسم الفاعل أَى تابعين ، أَو ذوى تبع ، أَو نفس التبع مبالغة فى الاتباع ﴿ فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ شَىءٍ ﴾ دافعون عنا شيئاً من عذاب الله ، أَو دافعون عنا دفعاً ، فشيئاً مفعول به ، أَو مفعول مطلق ، والدفع الإِزالة أَلبتة ، أَو المراد أَن تعذبوا مكاننا ، ومن الثانية صلة فى المفعول به ، أَى المفعول المطلق ، ومن عذاب الله تبعيض للعذاب حال من شىءٍ ، ولو جر لأَن جاره صلة ، ويجوز أَن تكون للبيان ، أَن دافعون شيئاً عنا هو عذاب الله - عز وجل - فيجوز أَن يكون المعنى معنون عنا بعض شىءٍ هو عذاب الله ، أَو كلاهما تبعيض ، أَى بعض شىءٍ هو بعض عذاب الله فطلبوا دفع بعض البعض ، والوجه ما ذكرته أَولا ﴿ قَالُوا ﴾ أَى الذين استكبروا للضعفاءِ جواباً واعتذاراً ﴿ لوْ هَدَانَا اللهُ ﴾ للإِيمان هداية توفيق ، اَو تأْثير ولو مع شقوة ﴿ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ هداية بيان إليه فيمكن أَن تؤْمنوا ، وأَن لا تؤْمنوا لكن خذلنا فاخترنا لكم ما اخترنا لأَنفسنا من الضلال المرتب على خذلاننا ، أَو ذلك جواب لقولهم : فهل أَنتم إِلخ فيكون المعنى لو هدانا الله إلى طريق نتخلص به من العذاب إِلى الجنة اليوم مع البقاءِ على الشرك ، أَو دونه لخلصناكم كما أَغويناكم قبل : أَو لو ردنا إِلى الدنيا لهديناكم فيها ، ثم إِن أَهل النار يصدر منهم الكذب فيها وفى الموقف ، والاستفهام توبيخ وتحسر ، كيف يطمعون أَن يدفعوا عنهم العذاب أَو بعضه ، وهم فى النار مقهورون ، وذلك الاستفهام جزع فآيسوهم من الدفع وأَعلموهم أَن الجزع لا ينفع ، وإِنا وإِياكم مخلدون ، كما قال : ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَأ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ موضع حيص أَى ميل إِليه للنجاة ، أَو ما لنا حيص إِلى ملجإِ ، ولا ملجأَ ، أَو لا زمان حيص؛ لأَنا خالدون ، وقيل : ليس هذا من كلام المتكبرين بل من كلامهم وكلام الضعفاءِ فهو محكى بقول محذوف ، أَى قالوا جميعاً سواءٌ علينا أَجزعنا أَم صبرنا ، يقولون : تعالوا نصبر فقد كان الصبر فى الدنيا نافعاً فيصبرون خمسائة عام فلا ينفعهم ، ويقولون تعالوا نصبر فيصبرون على الويل والبكاءِ خمسائة عام فلا ينفعهم ، فيقولون سواءٌ إلخ ، أَو يبدأُون بالصبر وبعده الجزع ، وبها جاءَ الحديث ، والضمائِر لهم جميعا ، قدرنا القول أَو لم نقدر ، وإِذا لمن نقدر فقد غلب التكلم على الخطاب ، أَو يقدر سواءٌ علينا وعليكم أَجزعنا وجزعتم أَم صبرنا وصبرتم مالنا وما لكم من محيص ، ويعلم جزع الضعفاءِ من أَحوالهم وقولهم فهل إِلخ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٧٠