سورة النحل · الآية ٥٨ من ١٢٨

‹ السورة السابقة
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدࣰّا وَهُوَ كَظِیمࣱ٥٨
الرسم الإملائيّ

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ

الجزء ١٤الربع ١٠٩ صفحة ٢٧٣

تفسيرها

[سورة النحل — آية 58]

﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ متغيرا من الغم والكراهية ، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ممتلىء غيظا وحزنا ، فهو يكظمه ، أي: يمسكه ولا يظهره ، ﴿يَتَوَارَى﴾ يختفي ﴿مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ من أجل سوء المبشر به ، ومن أجل تعييرهم ، ويحدث نفسه وينظر ﴿ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ أيمسك ما يبشر به على هوان وذل ، ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أم يئده ، ﴿أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ بئس ما يحكمون لله البنات ، ولأنفسهم البنين ، نظيره ﴿ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى *تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٥٩

[سورة النحل — آية 58]

قال : ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَى ﴾ التي جعلها الله زعم حيث جعلوا لله البنات ، يعنون الملائكة ﴿ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً ﴾ أي : مغبّراً ﴿ وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ أي : قد كظم على الغيظ والحزن .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٥٩

[سورة النحل — آية 58]

﴿ وَيَجْعَلُونَ ﴾ يعتقدون أو يثبتون باختيار ﴿ للهِ الْبَنَاتِ ﴾ تجعل كنانة وخزاعة وطائفة من النصارى للملائكة بنات الله ، مع كراهتهم للبنات ، فلم ينزهوا الله عنها ، ولا عن التجسيم ، ولا عن الجهة والطول وغير ذلك ، قال الله عزَّ وجل : ﴿ أنّى يكُون له ولد ولم تكن له صاحبة ﴾ ﴿ ألا إِنَّهم من إِفكهم ليقولون ولد الله ﴾ ﴿ وجعلوا بينه وبين الجِنَّة نسبًا ﴾ وقيل : لا يعتقدون بنبوة الملائكة ، بل يشبهونهم بالبنات المستورات إذ لا يرونهم مع أنهم فى مكان لا تصل إليه الأغيار ، كبنات الرجل يسترهن فى محل أمين ، ومكان مكين ، والجن ولو استتروا ليسوا على هذه الصورة ، ومع ذلك للذكور من أنهم لم يريدوا حقيقة البنوة ، يصفهم الله بالإشراك ، لأن ذلك لفظ إشراك ، يوهم الولادة

كما يروى أن عيسى يقول الله أى سيدى ولما كان فلظ إشراك سماه الله إِشراكا وهو محرم عن غير عيسى . لأنه يوهم الولادة .

﴿ سُبْحَانَهُ ﴾ نزهوا الله أيها المسلمون عن ذلك تنزيهًا ، أو تنزه عن ذلك تنزهًا ، أو نزه نفسه تنزيهًا وذلك متضمن للتعجب ﴿ وَلَهُمْ ﴾ عطف على الله ﴿ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ من الذكور ، عطف بتلك الواو على البنات عطف معمولين على معمولى عامل ، وفى ذلك عمل عامل فى ضميرين لمسمى واحد ، وذلك جائز فى باب علم وظن ، وفقد وعدم ورأى الحلمية ، ولو بلا حرف جر ، ويجعل من باب علم وظن لأن معناه يعتقد ، والضمير الأول الواو ، والثانى الهاء ولم يجيزوه فى غير ذلك ، ولو بحرف جر .

وعندى يجوز فى غير الباب إذا كان أحدهما بالحرف مثل ما هنا إذا فسرنا يجعلون يثبتون لكثرتهم فى القرآن ، مثل : ﴿ فصرهنّ إليك ﴾ ﴿ وهُزِّى إِليكِ ﴾ وقد يجوز هنا ولو عندهم على أنه يغتفر فى الثوانى . ومنها المعطوف ما لا يغتفر فى الأوائل ، أو لهم خبر لما بعده ، والجملة حال من الواو ، ولا يصح الاستئناف على لهم ، وأتبع ذلك مشاكلة بقوله :

﴿ وَإذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ﴾ ولدت له ، أو بولادة الأنثى له ، لأن التبشير موضوع لما يشتهى ، وبشر به استعمل فى مجرد الإخبار لعلاقة الإطلاق والتقييد أو أحدهما وذلك لأنهم لا يحبون ولادة البنات ، فضلا عن أن يقع لهم التبشير بهن بل يكرهونهن جداً كما قال :

﴿ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا ﴾ اسودّ وجهه فى النهار كله اغتماماً بها ، وكآبة وحياء من الناس ، وكانوا يعيرون بالأنثى ، وذلك أنه يحبس الروح إلى داخل القلب ، فلا يبقى له أثر ينور به الوجه ، بخلاف ما إذا سُرَّ فإن الروح تنبسط وتصل الأطراف ولا سيما الوجه ، فيستنير ، ويجوز أن يكون ذلك كناية عن الحزن ، لأن الاسوداد من لوازمه ، وخص النهار بالذكر ، لأن أكثر الولادة قيل بالليل فيؤخر الإخبار إلى النهار ، أو لأنه يظهر تغير الوجه فيه ، أو المراد عموم الزمان ، ولا نسلم والأكثرية واطراد التأخير .

﴿ وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ مملوء غيظا على زوجه أو سريته التى ولدت البنت . كأنها ملكت أمرها فى بطنها فاختارت جعله أُنثى ، والقوية القلب تقول : ما علىَّ إنما ولدت ما وضعت فى بطنى ، والجملة حال من وجه ، أو من المستتر فى مسود ، أو ذلك من أشنع ما يكون ولدت امرأة بنتا وهجرها زوجها ، فقالت :

ما لأبى الذلفاء لا يأتينا … يظل فى البيت الذى يلينا

يغضب أن لا نلد البنينا … وإنما نأخذ ما أعطينا

وفى رواية : ما لأبى حمزة .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٥٩