سورة الإسراء · الآية ٢٦ من ١١١

‹ السورة السابقة
وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِیرًا٢٦
الرسم الإملائيّ

وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا

الجزء ١٥الربع ١١٤ صفحة ٢٨٤

تفسيرها

[سورة الإسراء — آية 26]

﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ كما يجب بالشرع والعقل ، وكل واحد منهم له حق غير حق الآخر ، ﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ أي: وآت هؤلاء حقوقهم الواجبة عليك ، ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ، التبذير : تفريط المال في غير الحل والمحل ، وقد قيل : " كل نفقة في غير حق الله فهي تبذير". وإن قلت: وليجتهد المريد حتى (لعله) لا يميل إلى طرق التقتير والتبذير ، ويعلم الله منه سلامته منهما.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٠٥٥

[سورة الإسراء — آية 26]

قوله : ﴿ وَءَاتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ ﴾ يعني ما أمر الله به من صلة القرابة . يقال : إن كان لك مال فصله بمالك ، وإن لم يكن لك مال فامشِ إليه برجلك . قال الحسن : حقُّ الرحم ألا تحرمها ولا تهجرها .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إنَّ الرّحم معلّقة بالعرش . وليس الواصل بالمكافىء ، ولكن الذي إذا انقطعت رحمه وصلها »

قوله : ﴿ وَالمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ﴾ وهما صنفان من أهل الزكاة الواجبة . وكانت نزلت قبل أن يُسمّى أهل الزكاة .

﴿ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ﴾ أي : لا تنفق في غير حقّ .

ذكر الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما أنفقتم في سبيل الله فلكم ، وما أنفقتم على أنفسكم فلكم ، وما أنفقتم على عيالكم فلكم ، وما تركتم فللوارث »

ذكروا عن علي قال : ما أنفقت على نفسك فلك ، وما أنفقت على عيالك فلك ، وما أنفقت رياء وسمعة فهو للشيطان .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٠٥٥

[سورة الإسراء — آية 26]

وذكر حق القرابة بعد الوالدين بقوله : ﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ﴾ أى اجعل حق ذى القرابة منك آتيا إياه ، وواصلا إِليه ، فكأنه قيل أعط ذا القربى حقه من جهة الأب أو الأم أو جهتهما احتاج أو لم يحتج ، من مال أو نفع أو سلام ، وإن احتاجوا ولا مكسب لهم ، وجب عليه الإنفاق عليهم بقدر الإرث فيما بين العصبة ، والبسط فى النفقة ، ويجب عليه حق قرابة الأم إن احتاجوا أولا عصبة لهم أو لهم عصبة امتنعوا ، أعنى يجب عليه أن لا يتركهم فيموتوا ، وأنه قبل غيره من الأباعد ، ولا يحكم عليه بذلك .

وعن أبى حنيفة : يجب على الموسر مواساة أقاربه إذا كانوا محارم كالأخ والأخت .

وقال الشافعى : لا يجب الإنفاق إلا علىلولد والوالدين ، ومن حق القرابة الزيارة وحسن العشرة .

وذكر ذى القربى تعميم بعد تخصيص بأن ذا القربى يتناول الوالدين لغة ، ولو لم يتناولهما عرفا ، قال صلى الله عليه وسلم : « مَن قال لأبيه قريبى فقد عقّه » فلو أوصى لقرابته لم يدخل الوالدان ، والوصية تجرى على العرف إذا كان وإلا فعلى اللغة .

ويبحث فيما ذكر أنه صلى الله عليه وسلم لما نزلت الآية نادى فاطمة رضى الله عنها ، فأعطاها فدكَ فإنه إذا كانت البنت قريبة لأبيها ، فالأب قريب لها إِلا أنا لا نسلم عطاء فدك لأن الآية مكية ، وفدك ملكت فى المدينة إلا أن يقال علم أنه سيملكها قوم الفاطمة رضى الله عنها .

وقيل : ذا القربى قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يجب علينا الإنفاق عليهم إن احتاجوا ، وتوقيرهم وحقهم من الخمس ولا دليل لهذا التخصيص ، قال على ابن الحسين بن علىّ بن أبى طالب الشامى : أقرأت ﴿ آت ذا القربى حقه ﴾ قال : فأقم للقربى فى الآية؟ قال نعم .

﴿ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ﴾ عطف على ذا القربى ، والمعطوف على حقه محذوف ، أى والمسكين وابن السبيل حقهما .

﴿ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾ لا تفرق المال ، والتبذير التفريق مأخوذ من التبذير وهو إلقاء البذر فى الأرض كيف ما كان من غير تعهد لمواقعه ، قال ابن مسعود رضى الله عنه : التبذير إنفاق المال فى غير حقه ، وذلك هو صرفة إلى من لا يستحقه ، وقيل : الإسراف تجاوز فى الكمية ، والتبذير : تجاوز فى موضع الحق ، والظاهر أنهما سواء وعدوا منهما تشييد الدار ، واستدل بعض على أن المراد الإنفاق فى المعصية بقوله تعالى :

﴿ إن الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ﴾ وما أنفق فى معصية ، لو فيما لا نفع فيه ولو حبة ، فإنفاقه تبذير ، روى أنه صلى الله عليه وسلم قال لسعد ، وهو يتوضأ : « وما هذا السَّرَف؟ » قال : أفى الوضوء سَرَف؟ قال : « وإن كنتَ على نهر »

رواه أحمد بن عبد الله بن عمر صحيحا ، ومعنى إخوان الشياطين أشباه الشياطين ، كما يشبه الرجل أخاه من النسب ، فهم كالشياطين فى المعصية ، جمعتهم المعصية ، كما يجمع الإخوان أبوهم ، أو أحباء الشياطين ، كأنهم أحبوهم لاتباعهم فى المعصية وذلك تشبيه ، ولا محبة ، لكن شهرا بمن أحب أحداً فاتبعه ، ومن ذلك ما يصرفون فى الأزلام والمياسر والمفاخر ، يفخرون غلإبل وذلك ، ولا يحل لكل ذلك ، لأنه ميتة .

وكذلك فعل الفرزدق أو أبوه فى الإسلام ، فأفتى علىّ بأنها حرام لا تؤكل وكل ما فعل للرياء إسراف .

﴿ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ ﴾ أى لنعم ربه ﴿ كَفُورًا ﴾ مبالغة فى الكفر ، فلا يقتدى بأحد فى الكفر ولو قلّ بل الكفر وإن قل عظيم ، والكافر خبيث ، ومن خبث لا ينهى اتباعه ولو فيما أقل من كفره ، وصرف المال فى المعصية ضد الشكر به ، وهو صرفه فى الطاعة .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٠٥٥