أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّیۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودࣰا٧٨
الرسم الإملائيّ
أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا
الجزء ١٥الربع ١١٦ صفحة ٢٩٠
تفسيرها
﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ لزوالها ، ، وأصل الدلوك : الميل . ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ، وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ صلاة الفجر ، سميت قرآنا ، وهو القراءة فيها لكونها ركنا ، كما سميت : ركوعا وسجودا ، أو سميت قرآنا لطول قراءتها . والغسق: ظلمة أول الليل. ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قيل: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ، ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء ، وهو في آخر ديوان الليل ،وأول ديوان النهار.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٠٧
قوله : ﴿ أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ أي : لزوال الشمس من كبد السماء ، يعني صلاة الظهر والعصر بعدها . ﴿ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ ﴾ أي : بدو الليل واجتماعه وظلمته؛ صلاة المغرب عند بدو الليل ، وصلاة العشاء عند اجتماع الليل وظلمته إذا غاب الشفق .
ذكروا عن الحسن أنه قال : إن رسول الله حين جاء بالصلوات الخمس إلى قومه ، خلّى عنهم حتى إذا زالت الشمس عن بطن السماء نودي فيهم : الصلاة جامعة ، ففزعوا لذلك واجتمعوا ، فصلّى بهم الظهر أربع ركعات لا يعلن فيهن القراءة ، جبريل بين يدي نبي الله ، ونبي الله بين أيدي الناس ، يقتدي الناس بنبيّهم ، ويقتدي نبيّ الله بجبريل .
ثم خلّى عنهم حتى إذا تصوبت الشمس وهي بيضاء نقية نودي فيهم : الصلاة جامعة ، فاجتمعوا ، فصلى بهم العصر أربع ركعات دون صلاة الظهر ، لا يعلن فيهن القراءة؛ جبريل بين يدي نبي الله ، ونبي الله بين أيدي الناس ، يقتدي الناس بنبيهم ، ونبي الله يقتدي بجبريل . ثم خلى عنهم ، حتى إذا غابت الشمس نودي فيهم : الصلاة جامعة . فاجتمعوا فصلى بهم المغرب ثلاث ركعات ، يعلن في الركعتين الأوليين ، ولا يعلن في الركعة الآخرة . جبريل بين يدي نبي الله ، ونبي الله بين أيدي الناس . يقتدي الناس بنبيهم ، ويقتدي نبي الله بجبريل . ثم خلى عنهم حتى غاب الشفق وانقضى العَشاء نودي فيهم : الصلاة جامعة . فاجتمعوا؛ فصلى بهم العشاء أربع ركعات ، يعلن في الركعتين الأوليين ولا يعلن في الآخرتين؛ جبريل بين يدي نبي الله ، ونبي الله بين يدي الناس . يقتدي الناس بنبيهم ويقتدي نبي الله بجبريل . ثم بات الناس ولا يدرون أيزدادون على ذلك أم لا . حتى إذا طلع الفجر نودي فيهم الصلاة جامعة . فاجتمعوا فصلى بهم الصبح ركعتين أطالهما وأعلن فيهما بالقراءة . جبريل بين يدي نبي الله ، ونبي الله بين أيدي الناس . يقتدي الناس بنبيهم ويقتدي نبي الله بجبريل .
ذكروا أن عبد الله بن مسعود قال : والذي لا إله غيره إن هذه الساعة لميقات هذه الصلاة ، يعني المغرب ، ثم قال : ﴿ أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ يعني غروبها . أي : زوالها حين تغيب ، في قول ابن مسعود . ﴿ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ ﴾ . أي : مجيء الليل ، والصلاة فيما بينهما .
وتفسير ابن عباس : [ دُلُوكُهَا ] : زوالها وميلها . وهذا قول العامة ، يعني وقت صلاة الظهر .
وقال بعضهم : لو كانت الصلاة من دلوكها إلى غسق الليل لكانت الصلاة من زوال الشمس إلى صلاة المغرب . وقول ابن عباس أعجب إلينا . وهو قول العامة .
قوله : ﴿ وَقُرْءَانَ الفَجْرِ ﴾ يعني صلاة الصبح ﴿ إِنَّ قُرْءَانَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ أي : تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار . يجتمعون عند صلاة الصبح وعند صلاة العصر .
ذكروا أن عبدالله بن مسعود كان يقول : عند صلاة المغرب يجتمع الحرسان من ملائكة الليل وملائكة النهار .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٠٧
﴿ سًنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا ﴾ أى تذكَّر سنَّة ، أو لا تنس سنَّة فإنها تصيبهم على إخراجك ، أو اتبع سنَّة ، أو سن لله سنَّة ، أو سننا سنَّة ، أو كسنَّة ، ولسنة إهلاك كل قوم أخرجوا أنبيائهم من بين أظهرهم مرتين ، ولو يتسبب فى خروجه ، أو إِخراج من بعضهم وتسبب لإخراج من بعض ، والسنة لله ، وأضيفت للرسل أو لأممهم على تقدير سنة أمم من قد أرسلنا ، لأنها لأجلهم .
وقيل : اتبع سنة من قد أرسلنا كقوله سبحانه : ﴿ فبهداهم ﴾ لا تغير ولو اشتد الأمر وما تقدم أولى وهو أنسب بقوله :
﴿ وَلاَ تَجِدُ سُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ﴾ تغييراً أو تبديلا ، فلو أخرجوك لم يلبثوا خلفك إلا قليلا كما هو عادتنا مع من قبلهم ، والمراد بنفى وجود التحويل نفى حصور التحويل ، ولما ذكر يوم الشدة والحساب بقوله عز وجل : ﴿ يوم ندعو ﴾ إلخ ، وذكر شدة عداوتهم وكيدهم بقوله عز وجل : ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ إلخ أمره بالتقوى على ذلك ، والتخلص من سوئه بإقامة الصلاة التى هى أفضل العبادة ، فقال :
﴿ أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ كقوله تعالى : ﴿ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ﴾ إلخ وقوله : ﴿ فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين ﴾ ودلوكها ودلوك القمر والنجم والنجم ميلهن عن وسط السماء فى جميع الفصول ، وهو زوالهن عنه كما قال صلى الله عليه وسلم : « أتانى جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بى الظهر » .
قال جابر بن عبد الله : طعم عندى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ثم خرجوا حين زالت الشمس ، فقال صلى الله عليه وسلم هذا حين دلكت الشمس ، وهذا هو الصحيح وعليه الجمهور . وروى عن علىّ وجماعة من الصحابة ، أن الدلوك الغروب ، والشمس تدلك من الأفق الظاهر إلى الأفق الباطن ، ومادة دلك ، وما أوله دال فلام بمعنى الانتقال كدلج مشى مقارب الخطو ، لثقل الحمل ، ودلج بمعنى مشى أراق المائع بإيقاف ، ودله الرجل : تحيَّر أو ذهب عقله من الهوى ، ودله لسانه : خرج ، دمه : أخره ، ودلف الشيخ : قارب الخُطى ، ودلتى الرجل : أراق المائع بالقاف ، ودله الرجل : تحيَّر أو ذهب عقله من الهوى ، وولهه : حيَّره وذلك بدنه أو ثوبه مثلا فى الغسل : حكة ، وذلك الناظر للشمس عينه ليقوى على شعاعها .
وقد قيل سمى دلوك الشمس لهذا ، فأضيف إِليها لأنها السبب واللام بمعنى من الابتدائية ، فشمل اربع صلوات يؤدى كلا فى وقتها ، وغسق الليل شدة ظلمته لا خمساً كما قيل ، لأن الفجر فى غير وقت شدتها ، واذكره فى قوله : ﴿ وقرآن الفجر ﴾ وإن سلمنا أن وقته غسق لبقاء ظلمة الليل معه ، لم يتم لأنه يجوز فى أسفار ، بل ندب لحديث :
« أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر » ولو دخلنا أوله ، وأطلنا إِلى إسفاره ، وإن حملنا الدلوك على الغروب شمل المغرب والعشاء فقط ، وقيل والفجر كما مرّ آنفاً ، والغاية داخلة على ذلك كله .
وقيل اللام للتوقيت ، بمعنى بعد ، فشمل الظهر والعصر فقط ، وكذا إن قلنا بمعنى فى ، وبيَّن الشرع وقت كل منهما ترجيحاً ، وأباح دخول إحداهما فى وقت الأخرى فنقول : غسق الليل أول ظلمته ، وهو آخر وقت العصر ، ولو لم يدخل وقت المغرب ، فلم نذكر المغرب والعشاء ، فى الآية وقيل : إن المراد الغروب فقط ، وإن غسق الليل غيوب الشفق الأبيض فى مواضع غيبوبته ، وهو آخر الوقت .
وروى عنه صلى الله عليه وسلم : أنه جمع بين الظهر والعصر نهاراً ، وبين المغرب والعشاء ليلاً فى الحضر بلا غيم ومطر ولا خوف ، وذلك لنعلم باشتراك الظهر والعصر من أول الظهر إلى قدر ما تدركان فيه من آخر وقت العصر ، وذلك تسهيل ، وقال وكثر إيقاع كل فى وقتها لئلا نكثر فعل ذلك ، وكذا المغرب إلى أن يبقى من آخر وقت العشاء ما تدركان فيه مع الوتر ، فالجمع فيما ذكر جائز لمن لا يتخذه عادة ، وجاء الحديث : « إن الشفق الأحمر » واختاروا أنه موقوف على ابن عمر ، وفسره بعض بالأبيض فلا يصلى العشاء حتى يغيب ، والأحمر خبران .
﴿ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ شدة ظلمته ، وهو وقت العشاء حين تظهر النجوم الصغار ، متعلق بأقم ، أو بحال من الصلاة محذوفة جوازاً لا وجوبا لكونها كونا خاصا أى ممدةدة إِلى غسق الليل ، وأصل الغسق السيلان كأن الظلمة تنصب على العالم .
﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ﴾ صلاة الفجر ، سميت باسم جزئها الأعظم ، وهو القرآن إلا مقلد ، ولا مانع من نفس تفسير قرآن الفجر بما يقرأ فى صلاة الفجر ، ينبغى الدخول فيها أول ما ينتشر كما فعل صلى الله عليه وسلم بالإغلاس ، وإطالة القراءة إلى الإسفار ، كما قال صلى الله عليه وسلم : « أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر » فيجتمع ملائكة الليل بالإغلاس وملائكة النهار بالإسفار ، وليس كل يوم بغلس حتى تخرج النساء ، ولا يعرفن ، بل يفعل تارة وغيره أخرى ، لئلا يدوم على حال فيتوهم أنها واجبة .
ومن شاء أَيضاً أسفر بحيث لا يخاف الطلوع ولو بلا إغلاس بنية ثواب الإسفار والعطف على الصلاة ، فلا حاجة إِلى تقدير أقم كما سميت ركومًا لأنه أول ما يبدو للناظر منها ، وسميت سجوداً لأنه أشد خضوعًا وظهوراً ، ولا حاجة إلى تقدير الزم ، أو عليك لإغناء أقم ، واسم الفاعل لا يعمل محذوفًا .
﴿ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ إن صلاة الفجر تشهدها الملائكة ، وجاز التذكير مع أن معناه صلاة مراعاة لفظه تقول : جاء إنسان بالتذكير مع أنه امرأة .
ويجوز جاءت ، ويقال : ملائكة الليل وملائكة النهار ، يجتمعون فى صلاة الصبح ، خلف الإمام ، وكذا خلف الفرد فإذا سلم المصلى عرجت ملائكة الليل ، وقالت : يا رب تركنا عبدك وقد صلوا ، وإذا صعدت ملائكة النهار قالوا كذلك ، وأعم من هذا ما شهر أنهم كلهم يقولون : آتيناهم وهم يصلون ، وتركناهم وهم يصلون إِلا أن هذا قبل الفراغ ، ويقول الله عز وجل فى ذلك كله : اشهدوا أنى قد غفرت لهم ، والحديث جاء بذلك ، ولا حاجة إِلى ما قيل تشهده شواهد القدرة ، من تبدل الظلمة بالضياء ، والنوم المشابه للموت بالانتباه .
وكذلك المصلى يشاهد ذلك ، ويخرج من ظلمة المعصية والغفلة بضوء الصلاة كضوء الفجر ، وكالخروج من العدم إلى الوجود ، ولا يقدر على ذلك إلا الله عز وجل ، ولا يجوز تفسير القرآن بمثل ذلك ، أو يشهده كثير من المصلين عادة كذا قيل ، أو من شأنه يشهده الكثير .
وفى الوجهين إغراء بصلاة الجماعة كما استدل بعض على وجوب القراءة فى صلاة الفجر بهذه الآية ، ويقاس عليها سائر الصلوات ، سواء فى الاستدلال فسرنا قرآن بظاهره أو بالقراءة ، وخص بعضهم الاستدلال بما إذا فسر بالقراءة ، وأخطأ من لم يوجبها فقد قال صلى الله عليه وسلم : « لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب » أى فى كر ركعة ، ويزاد غيرها فى محله ، وخص صلاة الفجر لحضور القلب فيها لاستراحته بنوم الليل وللتمهيد لها قيام الليل ، وينعكس نور كل قلب إلى الآخر من قلوب الحاضرين بأشعة أنوار معرفة الله عز وجل كالمرآة المقابلة ، وكل يوم تشهده ملائكة غير الملائكة الآخرين ، أو ملائكة مخصوصة ترجع قولان .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٠٧