سورة الكهف · الآية ٨ من ١١٠

‹ السورة السابقة
وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَیۡهَا صَعِیدࣰا جُرُزًا٨
الرسم الإملائيّ

وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا

الجزء ١٥الربع ١١٧ صفحة ٢٩٤

تفسيرها

[سورة الكهف — آية 8]

﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ﴾ أي: ما على الدنيا﴿زِينَةً لَّهَا﴾ أي: ما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا، وما يستحسن منها ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ لنختبرهم﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ وحسن العمل: الزهد فيها ، وترك الاغترار بها ، ثم زهد في الميل عنها ، بقوله:

﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا﴾ من الزينة﴿صَعِيدًا﴾ أرضا ملساء﴿جُرُزًا﴾ يابسا ، لا نبات فيها ، بعد أن كانت خضراء معشبة. والمعنى: نعيدها بعد عمارتها خرابا ، بإمانة الحيوان ، وتجفيف النبات والأشجار وغير ذلك.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٤٨

[سورة الكهف — آية 8]

قال : ﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا ﴾ أي : ما على الأرض ﴿ صَعِيداً جُرُزاً ﴾ والجُرُز ها هنا الخراب . وقال بعضهم : التي ليس فيها شجر ولا نبات . وقال مجاهد : بلقعاً . وقال في موضع آخر : ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوا أَنَّا نَسُوقُ المَاءَ إِلَى الأَرْضِ الجُرُزِ ﴾ أي : اليابسة التي ليس فيها نبات ﴿ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً ﴾ [ السجدة : 27 ] .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٤٨

[سورة الكهف — آية 8]

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى الأرْضِ ﴾ من الحيوان والنبات ، والشجر والمعادن ، والأنهار والبحور ، فإنها على الأرض ، وما يخرج منها من اللؤلؤ والمرجان والسمك ، وكالسفن ، وكلعلماء والصالحين الأمراء والرجال والنساء وأدخل بعض فى ذلك نحو الحية والعقرب ، فإنه زينة من حيث دلالتها على الله تعالى .

﴿ زِينَةً لَهَا ﴾ ولأهلها ، أو يقدر مضاف ، أى زينة لأهلها .

﴿ لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاَ ﴾ بالتوحيد والعمل الصالح ، والتقوى والشكر ، والاستنفاع بذلك ، قصد إلى إقامة الدين ، وينفع خلق الله به صدقة ، وأداء لحقه ، أو بالزهد فيه ، والاقتصار على ما لا بد منه ، وبأخذه بوجه حلال وبعدم الاغترار به ، وبعدم الإعجاب به ، وبصرفه فى الطاعة لا فى المعصية ، أو التضييع ، وفيما لا يعنى ، وقولك الكافرون ونحوهم لم يشكروا ذلك الإنعام ، وأخذوه بوجه ، وصرفوه فى حرام ، فويل لهم ، وسترى ما يحل بهم ، والجملة استفهامية مفعول لنبلو معلقًا عنها لتضمنه العلم ، أو أى بمعنى الذى بدل من الهاء قبله ، والتقدير : أيهم هو أحسن عملا ، وهى مبنية .

وسئل صلى الله عليه وسلم عن الأحسن عملا فقال : « أحسنكم عقلا ، وأورع عن محارم الله تعالى وأسرعكم فى طاعته سبحانه » وعن الحسن : أحسنهم عملا أشدهم للدنيا تركا ، وقال غيره : أحسنهم من زهد وقنع من الدنيا بزاد المسافر ، ودونه حسنا هو من استكثر من حلالها ، وصرفه فى وجهه ، ومن دون ذلك قبيح من احتطب حلالها وحرامها ، وأنفعه فى شهواته ، وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليل للنهى ، كأنه قيل لا تحزن فإنى منتقم منهم ، ولا بد من عقابهم بعد الفناء المذكور بقوله :

﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ﴾ تشبيه بليغ كقولك : جعل الله زيداً أسداً ، فصعيداً مفعول لا منصوب على نزع الجار ، والصعيد التراب ، ووجه الشبه أنه بصيّره الله كالتراب ، لا يرغب الناس فيه ، وذلك يوم القيامة ، يوم لا يرغب الناس فى المعادن ولا فى غيرها ، إلا فى العمل الصالح ، ولا يجدونه إلا ما فى الدنيا ، وهو كقوله تعالى : ﴿ كل من عليها فان ﴾ وقوله : ﴿ فيذرها قاعًا صفصفا لا ترى فيها ﴾ إلخ ، وذلك تزهيد فى الدنيا ، والجرز الأرض التى قطع نباتها ، والجرز بإسكان الراء : القطع ، والمراد مطلق الإذهاب وإزالة النفع بذلك كله ، ولا يختص بالنبات ، ويقال : الجرز الموضع الذى لا نبات فيه ولا ماء ، والصعيد المستوى من الأرض ، ويقال : وجه الأرض مطلقا ، وهو نعت صعيداً أو مفعول ثان بعد مفعول ثان .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٤٨