سورة مريم · الآية ١٢ من ٩٨

‹ السورة السابقة
یَٰیَحۡیَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةࣲۖ وَءَاتَیۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِیࣰّا١٢
الرسم الإملائيّ

يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا

الجزء ١٦الربع ١٢٢ صفحة ٣٠٦

تفسيرها

[سورة مريم — آية 12]

﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ بجد وعزيمة ، واستظهار بالتوفيق ، فإنه لا يبلغه من لعب . وأخذه بالجد: بأن يكون متجردا له عند قراءته ، منصرف الهم ، إليه عن غيره . وفي معنى أخذ بقوة: التكرير لتلاوته ، والمراجعة بالفكر ، والتدبر في استخراج سر تأويله ، والعمل بأحسنه ، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ يعني: الحكمة ، أحكم الله عقله في صباه ، ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾ رحمة منا عليه ، ﴿وَزَكَاةً﴾ وتطهيرا من الذنوب ، ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ مطيعا ، متجنبا عن المعاصي ، ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ بتأدية حقوقهما، وترك لعقوقهما ، ﴿وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ مستعصيا لأمر الله تعالى.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٢٦٢

[سورة مريم — آية 12]

قوله : ﴿ يَايَحْيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ أي : بجدّ . ﴿ وَءَاتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ أي : الفهم والعقل . وبلغنا أنه كان في صغره يقول له الصبيان : يا يحيى تعال نلعب؛ فيقول : ليس للعب خُلِقنا .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٢٦٢

[سورة مريم — آية 12]

﴿ فخرج على قَوْمه من المحْرابِ ﴾ خرس لسانه عن أن يتكلم للناس أو من المغرب ، وأصبح فخرج على قومه من المحراب ، أى المصلى أو الغرفة ، وأصله مجلس الأشراف الذى يحارب دونه ذباً عن أهله ، فسمى محل العبادة محرابا ، لأن العابد يحارق الشيطان فيه ، ولم يكن المحراب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا ينتظرونه أن يفتح لهم الباب ليصلوا ، فخرج متغير اللون وقالوا : مالك .

﴿ فأَوْحى إِليهم أن سَبِّحوا بُكرةً وعشياً ﴾ أشار إليهم كما يدل له قوله تعالى : ﴿ إلا زمراً ﴾ أو كتب لهم على تراب الأرض كما روى عن ابن عباس أو على ورقة ، كما روى عن عكرمة كقول عنترة :

كوحى صحائف من عهد كسرى … فأوحاها لأعجم طه طمى

وقول ذى الرقة :

سوى الأربع الدهم اللواتى كأنها … بقية وحتى فى بطون الصحائف

وأن تفسيريه بلا تقدير ، قيل : أو مخففة بتقدير الباء ، وسبحوا صلوا ، كما روى عن ابن عباس سمى الصلاة باسم بعضها ، وهو التسبيح فيها ، وبكرة وقت صلاة الفجر ، وعشياً وقت صلاة العصر ، فالتسبيح الصلاة فى الوقتين على الكيفية التى أمر بها ، ولم يتعبدوا بالصلوات الخمس ، أو التسبيح ذكر الله وتنزيهه ، أمروا أن يسبحوا شكراً للنعمة كما أمر ، أو المراد استغراق اليوم بالذكر ، وذكر طرفى اليوم فقط ، أو خص التسبيح لأنه من ير أمراً غريباً يقل سبحان الله تعالى سبحان الخالق جل جلاله ، ومثل هذا ، أو أخبر قومه قبل طلب العلامة بما بشر به ، ولما تعذر عليه الكلام أشار إليهم بحصول ما بشر به ، فسروا لذلك ، ولما ولد وبلغ سناً مثله فيه قلنا يا يحيى كما قال :

﴿ يا يحيى خُذ الكتابَ ﴾ التوراة المعهودة ، أو صحف إبراهيم ، أو كتاباً خص به ، وأل للعهد الحضورى ، أو جنس الكتب المنزلة ، ولما يأت الإنجيل ﴿ بِقوَّة ﴾ بخذ منك فى قراءته والعمل به ، والأمر به ، وعن أنس : القوة الدرس بجد ومواظبة ، وفى الأمثال : عليك بالدرس فإن الدرس هو الغرس ، قيل لعبد الله بن عباس : بم نلت العلم؟ فقال : بلسان سئول ، وقلب عقول ، وفؤاد غير ملول ، وكف بذول ، وبدن فى الضراء والسراء صبور ، وقيل لبزرجمهر : بم نلت؟ فقال ببكور كبكور الغراب ، وتملق كتملق الكلب ، وتضرع كتضرع السنور ، وحرص كحرص الخنزير ، وصبر كصبر الحمار ، وقال بعض : إن القائل : ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة ﴾ أبوه لما ترعرع قال له أبوه ذلك ، ولا دليل فى الآية عليه ، فلا تحمل عليه ، ويزيده بعداً قوله تعالى :

﴿ وآتيناه الحُكْمَ صبياً*وحناناً من لدنَّا وزكاة ﴾ فإن الأنسب أن يكون قائل هذا هو قائل : ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة ﴾ وذلك فى ذاته من الجائز ، فيكون آتيناه الحكم عطفاً على ما قبل : يا يحيى ، لكن أى دليل على إدخال الأب فى ذلك ، فالقائل الله والعطف على قلنا المقدر ، والحكم الفهم والعبادة .

قال ابن عباس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أعطى الفهم والعبادة هو ابن سبع سنين » رواه أبو نعيم وابن مردويه ، والديلمى ، وعن بعض السلف من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو ممن أوتى الحكم صبياً ، وعن ابن عباس : قال صلى الله عليه وسلم : « قال الغلمان ليحيى اذهب بنا نلعب فقال أللِّعب خلقنا اذهبوا نصل فهو قوله : ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ » والحكم على هذا الحكمة ، وقيل : هى العقل ، وقيل : معرفة آداب الخدمة ، وقيل : الفراسة الصادقة ، وقال كثير : إنها النبوة أوتيها وهو ابن سبع سنين ، أو بان ثلاث ، أو ابن سنتين ، وأكثر الأنبياء لم ينبأوا قبل الأربعين .

والحنان الرحمة ، ونكر هو وزكاة التفخيم ، وزاد التفخيم للحنان بوصفه بقوله : ﴿ من لدنا ﴾ وهذه الرحمة من الله له إنعام عليه بأمر الدين كما أن الزكاة طهارة موهوبة له من الله ، ونمو فى الدين منه عز وجل له ، وهذا أبلغ من أن يقول ورحمناه ، ويجوز أن يكون الحنان من يحيى للخلق أى جعله الله راحماً لعباد الله عاطفاً عليهم ، ثم رأيت عن بعض أن المعنى فى آتيناه رحمة فى قلبه وشفقة على أبويه وغيرهما ، وعليه فالوصف بقوله : ﴿ من لدنا ﴾ تحرز عن رحمة تؤدى إلى ترك واجب كالحدود ، أو إشارة إلى أنها زائدة على ما فى الناس من التراحم ، ولا بأس فى إفراط لا يؤدى إلى بأس .

وهذه المعانى صالحة أيضا مع تعلق من لدنا بآتيناه ، وعن ابن زيد وعكرمة الحنان المحبة أى جعلناه محبوبا عند الناس كموسى ﴿ وألقيت عليك محبة منى ﴾ أو جعلناه محباً لله ، والزكاة البركة كما روى عن ابن عباس ، وذلك أنه نفاع للخلق ، معلم للخير ، أو الطهارة من الذنوب ، وقيل : الزكاة الصدقة ، والمراد ما يتصدق به .

﴿ وكانَ تقياً ﴾ عظيم الحذر عن المعاصى ، ما عمل معصية ولا هم بها ، وذكر مالك ، وأحمد ، وابن المبارك ، وأبو نعيم ، عن مجاهد : أن طعامه العشب ، وأنه كثير البكاء من خشية الله ، حتى اتخذت الدموع مجرى فى خده .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٢٦٢