سورة البقرة · الآية ١٤٥ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
وَلَئِنۡ أَتَیۡتَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَایَةࣲ مَّا تَبِعُوا۟ قِبۡلَتَكَۚ وَمَاۤ أَنتَ بِتَابِعࣲ قِبۡلَتَهُمۡۚ وَمَا بَعۡضُهُم بِتَابِعࣲ قِبۡلَةَ بَعۡضࣲۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَاۤءَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ إِنَّكَ إِذࣰا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِینَ١٤٥
الرسم الإملائيّ

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ

الجزء ٢الربع ٩ صفحة ٢٢

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 145]

﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ﴾ أراد ذوي العناد منهم ،﴿ بِكُلّ آيَةٍ﴾برهان قاطع ، والمعنى لو أتاهم بكل آيَةٍ من آيات الله ، ليس آية دون آية . ﴿ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ ﴾ لأن تركهم أتباعك ليس على شبهة تزيلها بإيراد الحجَّة ، إنما هو من مكابرة وعناد مع علمهم لما في كتبهم من نعتك أنك على الحق ، وهكذا عادة كلِّ من كان ديدنه الحمق والعناد ، ﴿ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ حسمٌ لأطماعهم إذ كانوا اضطربوا في ذلك وقالوا : لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجوا أن يكون صاحبنا الذي ننتظره ، ﴿ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ يعني : أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك ، مختلفون بأنفسهم في شأن القبلة ، لا يرجى اتفاقهم كما لا يرجى موافقتهم لك ، فاليهود تستقبل بيت المقدس ، والنصارى مطلع الشمس ؛ ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ أي من بعد وضوح البرهان ، ﴿ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ لَمِن المرتكبين الظلم الفاحش ، وفي ذلك لطف للسامعين وتهييج للثبات على الحقِّ ، وتحذير لمن يترك الدَّليل بعد إنارته ، ويتَّبع الهوى ؛ والخطاب متوجِّه لجميع المتعبَّدين ، وكل ما لم يقيم الدليل بجوازه فهو إتباع الهوى .

افتحه في القارئ · صفحة ١٥٢

[سورة البقرة — آية 145]

قوله : ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ . قال : لما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس قالت اليهود : إنا لنرجو أن يرجع محمد إلى ديننا كما صلّى إلى قبلتنا ، فأنزل الله : ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ . ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [ هذا الخطاب للنبي عليه السلام ولسائر أمته ] .

افتحه في القارئ · صفحة ١٥٢

[سورة البقرة — آية 145]

﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ ﴾ التوراة والإنجيل ﴿ بِكُلِّ ءَايَةٍ ﴾ دليل منقول عن الله ، أو حجة عقلية ، تنبنى على دين الله ، أو مجرد حجة عقلية على صدقك ، فى أن الله هو الذى أمرك بالتحويل إلى استقبال الكعبة ﴿ مَّا تَبِعُواْ ﴾ كلهم ، ولو يتبع بعضهم ﴿ قِبْلَتَكَ ﴾ الكعبة ، لأن عنادهم لك فى أمر القبلة وغيره ليس لشبهة ، فيتركوه لآية تزيلها ، بل عناد وحسد ﴿ وَمَآ أَنْتَ بِتَاَبِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ إخبار منه تعالى ، بأنه لا يصدر منه متابعة قبلتهم ، وهو مدح وتبشير ، وقيل : إخبار بمعنى النهى ، أى لا تتبع قبلتهم ، أى دم على عدم ابتاعها ، صخرة بيت المقدس لليهود ، ومطلع الشمس للنصارى ، لأن الله هو الذى أمرك بالتحول عن قبلة بيت المقدس ، وأما مطلع الشمس فلا وجه لاستقباله ، إذ ليس فى التوراة ، وإنما الواجب على النصار قبل التحويل إلى الكعبة استقبال بيت المقدس لوجوب اتباع التوراة عليهم إلا ما نسخ الإنجيل منها ، وإنما اتخذوه من اتخاذ مريم مكاناً شرقيا ، أو من بوليس اليهودى إذ غرهم ، وقال : إن الشمس كل يوم تبلغ سلام عيسى إلى الله ، وقد أمر عيسى بأن تستقبلوه فى الصلاة ، وقد صح أن عيسى يستقبل بيت المقدس ، ولذلك أفرد قبلتهم ، لأن القبلة بيت المقدس لا المشرق وبه خوطبوا كاليهود ، وهذا أنسب بما فى نفس الأمر ، وزعم أشياخ النصارى أن المسيح فوض إليه الدين ، فما أوجبوه أو حرموه أو أباحوه فهو كذلك ، فجعلوا الصلاة للمشرق ، لأن فيه أسراراً ليست فى غيره عندهم ، ولذا كان مولده شرقاً ، أو أفردها مع أنها اثنتان ، بيت المقدس ومطلع الشمس لا تحادهما فى البطلان بعد التحويل للكعبة ، فأنهما إذ بطلتا قبلة واحدة ، فقبلة حق ، وهى الكعبة ، وقبلة باطل ، وهى ماعداها ، وهو أنسب لقوله ﴿ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَاَبِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ وكذا إن قلنا ، أفردها لمشاكلة الأفراد فى قوله « ما تبعوا قبلتك » أو معنى « ما أنت بتابع قبلتهم » أن قبلتك لا تنسخ إلى قبلتهم ، كما لا تنسخ إلى غيرها ، وفيه قطع طمعهم عن أن يستقبل قبلتهم ، كما أنه قطع طمعه فى أن يؤمنوا ، ويستقبلوا الكعبة ، بقوله ، ما تبعوا قبلتك ، وهذا أولى من أن يقال ، المراد النهى ، أى لا تتبع قبلتهم ، لأن استعمال الجملة الاسمية فى الطلب ضعيف ، وما تقدم أولى من أن يقال ، المعنى ما ينبغى لك اتباع قبلتهم وما يحق ، وقيل : إن الله لم يأمر اليهود باستقبال بيت المقدس فى التوراة ، بل كانوا ينصبون التابوت ، ويصلون إليه من حيث خرجوا ، فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا إليه من خلفه ، ولما رفع صلوا إلى موضعه ، وأبقاهم الله على ذلك وصحح بعضهم أنها فى التوراة التى غيروها ، ونسخت على كل حال ، والصابئون يصلون إلى الكعبة ، ولعلهم اختاروهخا بعد نزول القرآن بها ، وقبلة السامرية طورهم فى الشام ، يعظمونه ويحجون إليه ، وهى فى بلدة نابلس قبلة باطلة مبتدعة ، والبعض الأول لليهود أو للنصارى ، والثانى للآخرين ، وفى ذلك بعض تسلية ، إذ لم يختص عنادهم به ، بل هو شأنهم حتى كان بينهم ﴿ وَلَئِنِ اتَبَعْتَ أَهْوَاءَهُمّْ ﴾ ما يحبونه مما خالف الحق كالرجوع إلى قبلتهم ، وهذا زيادة فى قطع طمعهم فى أن يتبعهم ، وإلا فقد تحقق أنه صلى الله عليه وسلم ، وتحقق من الله ، أن الرسل لا تفعل ذلك ، أو الخطاب للمؤمنين على البدلية لا له صلى الله عليه وسلم ، ولا سيما مع قوله تعالى « وما أنت بتابع قبلتهم » إلا على معنى ، لا ينبغى لك ابتاعها ، أولا تتبعها ، أو الخطاب له صلى الله عليه وسلم على سبيل الفرض تعريضا بغيره ، إذ كان يعاقب لو اتبع ، فكيف غيره ، وتهييجا على الثبات ﴿ مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ الوحى ، أن القبلة الكعبة أبدا ، أو العلم المعلوم ﴿ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ لأنفسهم ، ولدين الله ، ولغيرهم بالبدعة ، أكد الله عز وجل باللام ، والقسم المقدر قبلها ، وإن الفرضية ، وإن اللام فى خبرها ، والجملة الاسمية ، وتعريف الظالمين ، وإذا الجزائية فإنها لكونها جوابا وجزاء تفيد المبالغة وإيثار من الظالمين على أنك ظالم ، أو الظالم لإفادة أنك معدود فيهم ، وزيد من العلماء أبلغ من زيد عالم ، وتسمية الاتباع هو بمعنى أنه لا يعضده دليل ، والإجمال والتفصيل فى قوله « ما جاءك من العلم » إذ لو قال ، ما جاءك العلم لكفى ، وجعل الجائى نفس العلم ، ووضع الظاهر موضع المضمر ، إذ لم يقل لمنهم ، أى اليهود والنصارى ، إن أريد العهد .

افتحه في القارئ · صفحة ١٥٢