إِنَّ ٱلَّذِینَ یَكۡتُمُونَ مَاۤ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَیِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَیَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِی ٱلۡكِتَٰبِ أُو۟لَٰۤئِكَ یَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَیَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ١٥٩
الرسم الإملائيّ
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ
الجزء ٢الربع ١٠ صفحة ٢٤
تفسيرها
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ ﴾ من الآيات الشاهدة بالحقِّ وعليه ، والكتمان كفرانهم للآيات ، لأن الكفر هو التغطية ، ويحتمل كتمانهم لغيرهم ما يجب إظهاره لغيرهم ، ﴿ وَالْهُدَى ﴾ أي الإسلام ، ﴿ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ ﴾ وضَّحناه ، لأن الحق واضح جليِّ سهلٌ يسير على من طلبه وكُله خفيٌّ على من تعامى عنه ، ﴿ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ﴾ المنزَّل لم يدع فيه موضع إشكال ، فعمدوا إلى ذلك المبيَّن فكتموه أو حرَّفوه ؛ ﴿ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ الذين يتأتَّى منهم اللعن ، أي يسألون الله أن يلعنهم ؛ وقيل : جميع ما خلق الله يلعنه غضبا لله ، كما أن المطيع كلُّ شيء يستغفر له رضًى لله .
افتحه في القارئ · صفحة ١٦٦
قوله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ﴾ قال الكلبي : يعني أهل الكتاب . قال الكلبي : أما البينات فالذي يكتمون من نعت نبي الله في كتابهم ، وأما الهدى فما آتاهم به أنبياؤهم . وقال بعضهم : كتموا الإِسلام وكتموا محمداً وهم يجدونه مكتوباً عندهم .
قال : ﴿ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون ﴾ أي من ملائكة الله والمؤمنين . وقال بعضهم : دوابّ الأرض؛ والتأويل ما وصفناه أولاً .
قال الحسن : هذا الميثاق أخذه الله على العلماء ألا يكتموا علمهم . ذكروا عن عطاء أنه قال : من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار .
افتحه في القارئ · صفحة ١٦٦
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ﴾ من اليهود والنصارى بالمحو ، أو بتبديل غيره به ، أو بتفسيره بغير معناه ، أو إخفاء لفظه ، أو محله عن الناس ، والكتم ترك إظهار الشىء قصداً مع مسيس الحاجة إليه ، وذلك بمجرد إخفائه أو بإزالته ، ووضع لشىء آخر موضعه ، واليهود لعنهم الله مرتكبون للأمرين ﴿ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَالْهُدَى ﴾ الآيات الدالات على الرجم ، ونعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سماهن آيات ، لأنهن دلائل هدى ، وسماهن ، لأنه يوصل بهن إلى المقصود ، وقيل الهدى الدلائل العقلية كقوله تعالى ﴿ قدر فهدى ﴾ ولا يأباه الإنزال والكتم ، لأن العطف حينئذ عل مالا على البينات ، ولا مانع من أن يظهر الحجة العقلية لإنسان ويكتمها ، إلا أنه خلاف المتبادر ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّهُ لِلنَّاسِ ﴾ الكاتمين وغيرهم ﴿ فِى الْكِتَبِ ﴾ التوراة والإنجيل ، وقيل التوراة وغيرها ملحق بها ، وهو أولى ، لأن سبب النزول اليهود ، وقيل القرآن ، وعليه فالناس أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وبيناه أوضحناه فيه ، بحيث يكون متبينا لكل من رآه أو سمعه ، والمشهورون بالكتمان اليهود ، وهم سبب النزول .
سأل معاذ بن جبل ، وسعد بن معاذ ، وخارجة بن زيد نفرا من أحبار اليهود عن بعض ما فى التوراة ، فكتموا ، فنزلت ، وقيل : نزلت فى الكاتمين من اليهود والنصارى ، إلا أن خصوص السبب لا يدفع عموم الحكم ، فالآية تعم من كتم من أهل التوحيد ما لا يجوز له كتمة من أمر الدين .
قال أبو هريرة لولا هذه الآية ما حدثت أحدا بشىء ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار » وذلك شامل للنساء لا يحل لهن الكتم ولا يعذر المسئول بل يكفر إلا إن علم أنه إن لم يجب سئل غيره وأجاب ﴿ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ ﴾ يبعدهم عن رحمته ، ويذيقهم العذاب ، مقتضى الظاهر أولئك نلعنهم ويلعنهم اللاعنون بالنون ، إلا أنه بالياء ، ولفظ الجلالة تفخيما للحكم ، يبعدهم الله عن رحمته أو يذمهم للملائكة ، وفى اللوح المحفوظ ﴿ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّعِنُونَ ﴾ أى يتلفظون بلعنهم ، كل وكلامه ، حتى الجمادات ، وقد علم الله تسبيحها ، أو يدعون بإبعادهم عن الرحمة ، وتلعنهم أجسامهم وأجسام غيرهم من الكفرة والمسلمين ، وقيل الملائكة والثقلان ، وقال ابن عباس : غير الثقلين ، وقال عطاء : الثقلان ، وقال مجاهد : البهائم حتى العقارب والخنافس إذا أقحطت بذنوب بنى آدم ، فجمع السلامة للمذكر تنزيل لها منزلة ما قل إذا دعت ، أو تعد من العقلاء إذ ذاك .
افتحه في القارئ · صفحة ١٦٦