سورة البقرة · الآية ١٧٣ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَیۡكُمُ ٱلۡمَیۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِیرِ وَمَاۤ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَیۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَیۡرَ بَاغࣲ وَلَا عَادࣲ فَلَاۤ إِثۡمَ عَلَیۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمٌ١٧٣
الرسم الإملائيّ

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

الجزء ٢الربع ١٠ صفحة ٢٦

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 173]

﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ ﴾ أي : ذبح للأصنام ، فذكر عليه غير اسم الله ؛ ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ للذَّة وشهوة ، ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ متعدٍّ غير الحاجة ، وأصل البغي قصدُ الفساد ، وأصل العدوان الظلمُ ومجاوزة الحدِّ ، ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٨٠

[سورة البقرة — آية 173]

قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ يعني : بالطيبات الحلال . وذلك لما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم من الأنعام والحرث . مثل قوله : ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا . . . ﴾ إلى آخر الآية [ الأنعام : 136 ] . وهو كقوله : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ الله لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَالله أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ ﴾ [ يونس : 59 ] . فأمر الله المؤمنين أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم ، وأخبرهم أنه ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله ﴾ يعني ذبائح المشركين إلا من كان من أهل الكتاب؛ قال في سورة المائدة : ﴿ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ [ المائدة : 5 ] . والطعام هاهنا هو الذبائح .

قوله : ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ يأكل حتى يشبع ولا يتزوّد . وقال بعضهم : يأكل ما يزوّد به نفسه ولا يشبع . ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

وقال بعضهم : غَيْرَ بَاغٍ : أي في أكله ، وَلاَ عَادٍ : أي : لا يتعدى حلالاً إلى حرام وهو يجد عنه مندوحة قوتاً أو قوة . وقال الحسن : ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ : يحمله على أكله ابتغاء الاثم على غير اضطرار منه إليه ، ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ ، أي : لا متعد لما أحل الله له من ذلك عند الاضطرار منه إليه ، فيحرمه وهو موضوع عنه .

***********************

وقال مجاهد : غير باغ : يبغى على الناس ، ولا عاد : يقطع عليهم الطريق . وكل ما تأوّلوه عليه يخرج صحيحاً .

ذكروا عن سهل بن عبد الله بن عون قال : دخلت على الحسن فإذا عنده كتاب كتبه سمرة لولده فإذا فيه : يجزى من الضرورة أو من الضارورة صبوح أو غبوق .

ذكر الحسن أن رجلاً قال : يا رسول الله متى تحرم علي الميتة؟ قال : « إذا رويت من اللبن وجاءت ميرة أهلك » .

ذكروا عن بعض السلف أن من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ثم مات دخل النار .

ذكروا عن ابن عباس أنه قال : إن الله يحب أن تُقبل رخصه كما يحب أن تقبل عزائمه .

***********************

افتحه في القارئ · صفحة ١٨٠

[سورة البقرة — آية 173]

﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ ﴾ الحصر إضافى فيه إلى السائبة وما معها ، لا حقيقى ، لأنه قد حرم أيضاً الغصوب والمسروق وأجرة الزنا وأجرة الكهانة والربا وغير ذلك ، وأما الموقوذة والمتردية النطيحة وما أكل السبفع فداخلة فى الميتة إن لم تدرك ذكاتها قبل الموت ، وإن أدركت فمن الحلال ، والحصر حصر القلب بالنسبة إلى من أحل الميتة وما معها ، وحرم السائبة وما معها ، وحصر أفراد بالنسبة إلى ما حرمه بعض المؤمنين من اللذات ، بأن شدد عليهم فقد منعهم أنفسهم منها تحريماً ، فنهاهم بهذا الحصر ، ففى كل من التحريم والمنع تحجيز ، فيكون من عموم المجاز ، ثم الحكم وشراءهن ورهنهن والإجارة بهن ، وإصداقهن ، والغسل بهن ، والاستصباح وهو حى ، قال أبو داود ، والترمذى ، وحسنه عن أبى واقد الليثى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة ، وهم يجبون الأسنمة ويقطعون أليات الغنم ، ما قطع ، أى وهو حى ، من البهيمة وهى حية فهو ميتة ، واستثنى الحديث السمك والجراد إذ قال : أحلت لكم ميتتان ، وزعم بعض أن ما مات من الحوت والجراد حرام ، وعموم الحديث يرده ، واستثنى الحديث أيضا الجلد ، فإنه أزيل ودكه بدباغ أو غيره حل ظاهرا وباطنا ، واستثنى من الدم الكبد والطحال ، وخص ذكر لحم الخنزير بالذكر لأنه معظم ما يؤكل ، ولأنهم يستعظمون تحريمه ، وغيره تبع له ، وكله حرام حتى عظامه وجلده وشعره ، وقيل بحل شعره ، وحل خنزير البحر على الصحيح ، ومعنى أهلَّ به رفع الصوت به ، وذلك أن يذكر الصنم أو غيره عند ذكاته وحده ، أو مع الله ، فيحرم ما ذكر عليه المسيح ، وقيل حل لأن الله عز وجل أباح ذبائح أهل الكتاب ، وقد علم أنهم يخلطون ، ويحرم ما ذكى للجن اتقاء بهم لمريض ، أو عند حفر بئر ، أو بناء دار ، بأن يذبح فى الموضع الذى يحفر نفسه ، أو فى الدار نفسها ، أو فى موضع مجاور لهما لذلك ، والرفع ذكر للواقع فى الجاهلية ، فما ذبح لغير الله حرام ، ولو أسر ذكر غير الله أو ذكره فى قلبه ، والإهلال مأخوذ من الهلال ، إذ يرفع الصوت به إذا رئى ، ثم أطلق على رفع كل صوت ، وكل ما نهى عن قتله فى الحديث من نحو الصرد والهدهد فذبحه للأكل أو المنفعة حلال ، والآية تشمله ﴿ فَمِنِ اضْطُرَّ ﴾ افتعل من الضر ، وهو متعد لواحد كأصله ، ألا تراه مبنيا للمفعول مع أن نائب الفاعل غير ظرف ولا مصدر ، وطاؤه عن تاء ، لتوافق الضاد فى الجهر ، الافتعال هنا للمبالغة ، كأنه قيل من ضره الله ضرا عظيماً بالجوع حتى خاف به الموت أو العمى أو الصمم أو البكم أو الشلل أو نحو ذلك مما لا يحتمل ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ بالسفر فى معصية أو منع حق ، أو نشوز عن زوج أو سيد ، أو خروج عن المسلمين ، أو منع مضطر آخر عن أن يشاركه ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ معلّ ، كغاز وقاض ، من المداوة ، أو العدوان ، وهو تجاوز الحد ، ومرجعهما واحد ، وذلك بقطع الطريق عن المسلمين أو أهل الذمة ، أو بأكل فوق ما يمسك الرمق ﴿ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ فى الأكل من ذلك بقدر ما يوصله أو يحيا به ، ولا يأخذ معه من ذلك ، والمذهب تحريم الزيادة على ما يمسك الرمق وكذا روى عن أبى حنيفة والشافعى ، وقال عبدالله بن الحسن البصرى : يأكل قدر ما يدفع الجوع ، وقال مالك يأكل حتى يشبع ويتزود ، فإذا وجد الحلال طرحه ، وإن تاب الباغى أو العادى حل له تناول من ذلكن وكذا لا يحل لهما التيمم إن فقد الماء ، ويصليان به ويقضيان إذا وجدا ماء ، وإن تابا لم يقضيا ما صليا بالتيمم بعد التوبة ﴿ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ ﴾ لأوليائه لأنهم يتوبون ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بأهل طاعته حيث وسع للمضطر ، وليس ذلك مختصا بالموحدين ، بل يحل لمشرك غير باغ ولا عاد أيضا أن يتناول منها للاضطرار ، لأنهم مخاطبون بفروع الشريعة كأصلها .

افتحه في القارئ · صفحة ١٨٠