سورة البقرة · الآية ١٧٢ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَیِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِیَّاهُ تَعۡبُدُونَ١٧٢
الرسم الإملائيّ

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

الجزء ٢الربع ١٠ صفحة ٢٦

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 172]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ أمر الله عباده المؤمنين أن يتحرَّوا طيِّبات ما رُزقوا ويقوموا بحقوقها ، فقال : (وَاشْكُرُواْ لِلّهِ ) على ما رزقكم وأحل لكم (إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) ، فإن عبادته لا تتمُّ إلاَّ بالشكر لإتمامه ، وهو عدم عند انعدامه . وعن النبيِّ  : << يقول الله إنِّي والإنس والجنَّ في نبإ عظيم أخلقُ ويُعبدُ غيري ، وأرزق ويُشكرُ غيري >> .

افتحه في القارئ · صفحة ١٧٩

[سورة البقرة — آية 172]

قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ يعني : بالطيبات الحلال . وذلك لما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم من الأنعام والحرث . مثل قوله : ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا . . . ﴾ إلى آخر الآية [ الأنعام : 136 ] . وهو كقوله : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ الله لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَالله أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ ﴾ [ يونس : 59 ] . فأمر الله المؤمنين أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم ، وأخبرهم أنه ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله ﴾ يعني ذبائح المشركين إلا من كان من أهل الكتاب؛ قال في سورة المائدة : ﴿ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ [ المائدة : 5 ] . والطعام هاهنا هو الذبائح .

قوله : ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ يأكل حتى يشبع ولا يتزوّد . وقال بعضهم : يأكل ما يزوّد به نفسه ولا يشبع . ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

وقال بعضهم : غَيْرَ بَاغٍ : أي في أكله ، وَلاَ عَادٍ : أي : لا يتعدى حلالاً إلى حرام وهو يجد عنه مندوحة قوتاً أو قوة . وقال الحسن : ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ : يحمله على أكله ابتغاء الاثم على غير اضطرار منه إليه ، ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ ، أي : لا متعد لما أحل الله له من ذلك عند الاضطرار منه إليه ، فيحرمه وهو موضوع عنه .

***********************

وقال مجاهد : غير باغ : يبغى على الناس ، ولا عاد : يقطع عليهم الطريق . وكل ما تأوّلوه عليه يخرج صحيحاً .

ذكروا عن سهل بن عبد الله بن عون قال : دخلت على الحسن فإذا عنده كتاب كتبه سمرة لولده فإذا فيه : يجزى من الضرورة أو من الضارورة صبوح أو غبوق .

ذكر الحسن أن رجلاً قال : يا رسول الله متى تحرم علي الميتة؟ قال : « إذا رويت من اللبن وجاءت ميرة أهلك » .

ذكروا عن بعض السلف أن من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ثم مات دخل النار .

ذكروا عن ابن عباس أنه قال : إن الله يحب أن تُقبل رخصه كما يحب أن تقبل عزائمه .

***********************

افتحه في القارئ · صفحة ١٧٩

[سورة البقرة — آية 172]

﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ ﴾ لذائذ ﴿ مَا رَزَقْنَكُمْ ﴾ لا تحرموها على أنفسكم ولو اعتقدتم حلها . نزلت فيمن عزم من الصحابة على أن يمنع نفسه منها ، والطيبات الحلال مطلقا فيدخل فيها اللذائذ ﴿ وَاشْكُرُواْ اللهَ ﴾ على حل أكلها ، والأمر بالأكل للإباحة العامة فى الطيبات ، أو فى اللذائذ ، إباحة تأكيد لتقدمها فى آى أخر ولعهدها فى الأذهان ، وخارجا وعملا ، كرر ذلك تشخيصاً للمؤمنين ، وتخصيصا بأنهم الأهل لها ، وتشريفا لهم ، وليرتب عليه ذكر الشكر وتحريم الميتة وما بعدها ﴿ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ إذ عبادته لاتتم إلا بالشكر ، أى إن كنتم تريدون عبادته عبادة تامة ، والمراد الشكر باللسان ، أو أن يستشعر فى العبادة أنه يعبده لأجل نعمه ، وأما الشكر بمعنى استعمال القلب واللسان والجارحة فلا تفسر به الآية؛ لأن المعنى يكون بذلك واشكروا لله إن كنتم إياه تشكرون ، وهو لا يصح ، وتقديم إياه للاهتمام ، والفاصلة ، وإن جعلناه للقصد كان المعنى : واشكروا لله إن كنتم خصصتموه بالعبادة ، فالقيد حصر العبادة له ، لا نفس العبادة ، فمن لم يشكر له ، بل شكر غيره لم يخصه بالعبادة ، قال صلى الله عليه وسلم : « الحمد رأس الشكر ، وما شكر الله من لم يحمده » ، والمراد بالحمد فى الحديث الحمد اللفظى ، قال الطبرانى ، والديلمى ، والبيهقى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يقول الله تبارك وتعالى : إنى والإنس والجن فى نبأ عظيم ، أَحلق ويُعبد غيرى ، وأرزق ويُشكر غيرى » .

افتحه في القارئ · صفحة ١٧٩