سورة البقرة · الآية ١٨٨ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
وَلَا تَأۡكُلُوۤا۟ أَمۡوَٰلَكُم بَیۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُوا۟ بِهَاۤ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُوا۟ فَرِیقࣰا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ١٨٨
الرسم الإملائيّ

وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ

الجزء ٢الربع ١١ صفحة ٢٩

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 188]

﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم ﴾ أي لا يأكل بعضكم مال بعض ، ﴿ بِالْبَاطِلِ ﴾ أصل الباطل الشيء الذاهب بالوجه الذي لم يحبَّه الله ولم يشرِّعه ، ﴿ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ﴾ ولا تلقوا أمرها إلى الحكَّام ، ﴿ لِتَأْكُلُواْ ﴾ بالتحاكم ن ﴿ فَرِيقاً ﴾ طائفة ﴿ مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنَّكم على الباطل ، وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبحُ ، وصاحبه بالتوبيخ أحقُّ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٩٥

[سورة البقرة — آية 188]

قوله : ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ ﴾ قال الحسن : هو الرجل يأكل مال الرجل ، يظلمه ويجحده ، ثم يأتي به إلى الحكام . فالحكام إنما يحكمون بالظاهر ، وإذا حكم له استحلَّه بحكمه .

وقال الكلبي : هي اليمين الكاذبة يقطع بها الرجل مال أخيه . ذكروا عن بعض السلف أنه قال : من مشى مع خصمه وهو له ظالم ، فهو آثم حتى يرجع إلى الحق .

ذكر : بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إنه قد يُدلَى إلي بالخصومة؛ فلعل أحد الرجلين أن يكون ألحن بحجته من صاحبه فأقضي له . فمن قضيت له من مال أخيه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من النار » .

ذكر الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيبة نفس فلا تظلموا » .

قوله : ﴿ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه ليس لكم بحق .

افتحه في القارئ · صفحة ١٩٥

[سورة البقرة — آية 188]

﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ ﴾ أى لا يأكل بعضكم مال بعض ، لقوله أموالكم ، إذ لا ينهى الإنسان عن أكل ماله : ولقوله ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ ثابتة بينكم معتبرة ، بأخذك منه وبأخذه منك ﴿ بِالْبَطِلِ ﴾ الوجه الباطل ، وهذا الطريق الى يبطل ، أى لا يجيز العقل الصحيح استعماله ولا الشرع ، أو يجيزه ، ولا يجيزه الشرع ، كالرشوة والربا وما يؤخذ على الزنى والكهانة كالسرقة والقمار الغصب التطفيف وأجرة الغناء وثمن الخمر والملاهى وشهادة الزور والخيانة فى الأمانة ، والمراد بالأكل الأخذ ولو بلا إتلاف لأن حبس المال عن مالكه بلا حق حرام ، فيدخل الإتلاف بالأكل فى البطن وإعطائها وإفسادها بالأولى ، وإذا أكل بعضهم مال الآخر ولم يأكل الآخر ماله فقد دخل فى الآية ، لأن كل واحد نهى عن أن يأكل مال الآخر ، وهذا معنى الآية ، وإن قلنا معناها جمع الأكلين أن تأكل ماله وأن يأكل مالك ، فأكل أحدهما مال الآخر دون أن يأكل الآخر ماله مستفاد من النص ﴿ وَتُدْلُواْ بِهَآ ﴾ تلقوها ، والباء صلة للتأكيد أو للسببية أى تتوصلو بها إلى الحكام أو الآلة والعطف على تأكلوا ، أى ولا تدلوا ، أو الفعل منصوب والواو للمعية ، والأول أولى لأنه صريح فى النهى عن كل من الأكل والإدلاء ﴿ إِلَى الْحُكَّامِ ﴾ أى ولا تدلوا بحكومتها بظاهر الأمر أو بحكم الجور ، فحذف المضاف ويدل لذلك قوله إلى الحكام ، إذ لا معنى لإلقائها إليهم ، وإنما المراد الترافع بها إليهم بخصام الفجور ليأخذها أو بعضها أو يثقل الخصام على صاحبها فيتركها ، أو لا تلقوها رشوة إليهم ، وأصل الإدلاء إرسال الدلو فى البئر ، ثم استعمل لمطلق التوصل إلى الشىء ﴿ لِتَأْكُلُوا ﴾ لتأخذوا ﴿ فَرِيقاً ﴾ طائفة ، هى كل ما خاصم فيه أو بعضه ، وعلى كل حال هى من أموال الناس كما قال ﴿ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ ﴾ بسبب الإثم ، فيتعلق بتأكلوا أو معه ، فيتعلق بمحذوف حال من الواو ، والإثم هو نفس شهادة الزور واليمين الكاذبة فإن شهادة الزور إثم لشاهدها ، ولا يحل للمشهود له الأكل بها ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه لا حق لكم فى ذلك ودعوا كم باطلة ، وارتكاب الشىء مع عدم العلم بأنه معصية قبيح ، ومع العلم أقبح ، وفى الآية أن حكم الحاكم لا يحل باطلا ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : « إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إلىَّ ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع منه . فمن قضيت له بشىء من حق أخيه فلا يأخذنه فإنما أقطع له قطعة من نار » ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « من حكمت له بحق صاحبه فإنما أجذو له جذوة من نار » نزلت الآية فى شأن أرض فى يد امرىء القيس الكندى من كندة من ثور ، قبيلة من اليمن يدعيها عبدان الحضرمى ، وفى رواية ربيعة بن عبدان الحضرمى ، لا بينة له فحكم صلى الله عليه وسلم على امرىء القيس باليمين ، فأراد أن يحلف ، فقرأ صلى الله عليه وسلم ، إن الذين يشترون بعهد ا لله الآية فترك اليمن ، فسلم الأرض إلى عبدان ، وأرضا أخرى مكان ما أكل من غلتها ، وذلك هو الحق ، وعن أبى حنيفة حكم الحاكم نافذ ظاهراً وباطناً ، فهو كعقد عقده ، ولعله لا يصح عنده ذلك إلا حيث لا يصل المحكوم له إلى إدراك ذلك ، وإلا كان ذلك منه تحنفاً عن الحق إلى الضلال ، وأما ما روى عن علىّ أن رجلا خطب امرأة هو دونها فأبت ، فأقام شاهدين فقال : قد زوجك الشاهدان ، فمعناه إنك زوجه فى الحكم لشهادة الشاهدين ، والغيب لله سبحانه .

افتحه في القارئ · صفحة ١٩٥