أُحِلَّ لَكُمۡ لَیۡلَةَ ٱلصِّیَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَاۤئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسࣱ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسࣱ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَیۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡءَٰنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَیۡطُ ٱلۡأَبۡیَضُ مِنَ ٱلۡخَیۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّیَامَ إِلَى ٱلَّیۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِی ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ ءَایَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ یَتَّقُونَ١٨٧
الرسم الإملائيّ
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
الجزء ٢الربع ١١ صفحة ٢٩
تفسيرها
﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ ﴾ الجماع ﴿ إِلَى نِسَآئِكُمْ ﴾ زوجاتكم وإمائكم ، ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ﴾ قيل : لباس أي ستر عن الحرام ، ﴿ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ تظلمونها بالجماع وتنقصون حظَّها من الخير ، والاختيان : من الخيانة ، كالاكتساب : من الكسب ، ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ حين تبتم ، ﴿ وَعَفَا عَنكُمْ ﴾ ما فعلتم قبل الرخصة ، ﴿ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ العكوف : هو الإقامة على الشيء ، والاعتكاف في الشرع : هو الإقامة في المسجد على عبادة الله ؛ ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ ﴾ حدود الله ما منع الله عنها من مخالفتها ، ﴿ َلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ نهى أن نقرب الحدَّ الحاجز بين الحقِّ والباطل لئلاَّ يُدانى الباطل فضلا أن يُتخطَّاه ، كما قال << إنَّ لكلِّ ملك حمى وحمى الله محارمه ، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه >> ، وهو أبلغ من قوله : << فلا تعتدوها >> ، ويجوز أن يريد بحدود الله محارمه ومناهيه ؛ ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ ﴾ شرائعه ، ﴿ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٩٤
قوله : ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفْثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ﴾ . . . إلى قوله : ﴿ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ الله لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾ . قد فسّرناه قبل هذا الموضع .
قوله : ﴿ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ ﴾ ذكروا عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في سفر ، فغابت الشمس فقال : « انزل فاجدح لنا ، فقلت : إن عليك النهار . فقال : انزل فاجدح لنا . قلت : لو أمسيت قال : فانزل فاجدح لنا . فنزلت فجدحت له . فشرب . ثم قال : إذا جاء الليل هاهنا ، وأومأ بيده إلى المشرق ، فقد أفطر الصائم » .
وذكر بعضهم قال : ثلاثة من فعل النبوة : تعجيل الإِفطار ، والتبليغ في السحور ، والأخذ باليمين على الشمال في الصلاة . وبلغنا عن أبي ذر مثل ذلك ، غير أنه قال : وتأخير السحور .
قوله : ﴿ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ ﴾ . قال بعضهم : كان أحدهم يعتكف ، فإذا [ خرج من مُصلاَّهُ ] فلقي امرأته غشيها ، فنهى الله عن ذلك . وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف للعشر الأواخر من رمضان ، ويشمر فيهن للصلاة . وإذا غشى المعتكف نقض اعتكافه .
ذكر الحسن أن المعتكف إذا غشي أعتق . فإن لم يجد أهدى بدنة؛ فإن لم يجد أطعم عشرين صاعاً .
قوله : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ أي لا تقربوا ما نهاكم الله عنه . ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله ءَايَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ أي لكي يتقوا .
افتحه في القارئ · صفحة ١٩٤
﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ ﴾ حقيقة ليالى الصوم ، وأضيفت للصوم مع أنه لا صوم فى الليل بل النهار ، لاتصالها بنهارها بعدها ، ولأن نية الصوم فى الليل ، أو باعتبار ما قبل نزول هذه الآية من وجوب صوم ما بقى من الليل بعد صلاة العشاء ، أو النوم وهو متعلق بقوله ﴿ الرَّفَثُ ﴾ ولو كان منحلا إلى حرف المصدر والفعل للتوسع فى الظروف ، لا بأحل ، لأن نزول الإحلال ليس فى ليلة رفث مخصوصة ولا كل ليلة رفث إلا بتأويل به أثبت لكم كل ليلة الرفث ، أى يوقع ثبوته فى كل ليلة وهو بمعنى الجماع وعدى بإلى كما قال ﴿ إِلَى نِسَآئِكُمْ ﴾ لتضمنه معنى الإفضاء المستعمل مع النساء غالبا ، بمعنى الجماع ، وهو جمع نسوة ، أو لا مفرد له ، يقال أفضى إلى امرأته أى جامعها ، قال وقد أفضى بعضهم إلى بعض ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ﴾ يمنع كل من الزوجين الآخر من الزنا بالفرج والعين والقلب واللسان واليد والرجل ، والإمناء باليد ، وبكونه فيه كفاية للآخر كما يمنع الثوب انكشاف العورة وبقية من حر جهنم وبردها كما يمنع الثوب الحر والبرد عن البدن ، ويحتاج كل للآخر ، كما يحتاج للثوب ، ويخالط كل الآخر بالالتصاق كالثوب مع البدن ، قال صلى الله عليه وسلم : « من تزوج فقد أحرز ثلثى دينه » وقدم كونهن لباساً لأنهم أشد احتياجاً إليهن ، لأنهم أقل صبراً عن الجماع منهن ، وهن أشد حباً للجماع إلا أنهن أكثر صبراً وأشد حياء ، قال صلى الله عليه وسلم : « لا خير فى النساء ولا صبر عنهن يغلبن كريماً ، ويغلبهن لئيم ، وأحب أن أكون كريماً مغلوباً ولا أحب أن أكون لئيماً غالباً » ﴿ عَلِمَ اللهُ أَنَكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَّ ﴾ أوكد من تخونون ، لأن من معانى افتعل العلاج والمبالغة ولكثرة الحروف ، والمعنى تعرضون للعقاب وحرمان الثواب ﴿ أَنْفُسَكُمْ ﴾ بالجماع بعد النوم ، أو بعد صلاة العشاء ، وقد حرم ذلك ليلة الصوم ، والمعنى تختانون أنفسكم فى الجملة طبعا لا فى خصوص الجماع وقت تحريمه ، بل هذا داخل فى الجملة ، ولهذا قال ، كنتم ، ويحتمل أن يريد خصوص ذلك لجماع ، أخبر الله بعد وقوعه أنه عالم به حين كان ، وذلك أن عمر وكعب بن مالك وغيرهما جامعوا وقت لا يجوز وهو ما بعد أن ينام ، فإذا نام حرم عليه الجماع والأكل والشرب إلى الليلة التى بعد ، وقد سمر عمر عنده صلى الله عليه وسلم ووجد رائحة طيبرة عند زوجه ، وقالت قد نمت ، وقال ما نمت ، واعتذروا للنبى صلى الله عليه وسلم فنزل ، أحل لكم ليلة الصيام الآية ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ تبتم من هذه الكبيرة ، أو تبتم فتاب عليكم ، أى قبل توبتكم ، قال عمر : يا رسول الله أعتذر إلى لاله وإليك من هذه الخطيئة أنى رحت إلى أهلى بعد ما صليت العشاء فوجدت رائحة طيبة فسولت لى نفسى فجامعتها ، وهذه توبة ، وكلهم تابوا ﴿ وَعَفَا عَنْكُمْ ﴾ أزال غفر لكم ما فعلتم ﴿ فَالْئَنَ ﴾ اسم الإشارة ظرف زمان مبنى موضوع على أل ، وقيل أل للحضور وهى الفيدة له ، ويقال أصله أن فعلا ماضيا بمعنى حضرتم جعل اسما ، وهو ظرف بمعنى الزمان الحاضر إلى قيام الساعة ، أى باشروهن فى الزمان كله متى شئتم بعد ما أبحت لكم فصح أن يعلق بقوله ﴿ بَشِرُوهُنَّ ﴾ فليس اسما لوقت النزول فقط لأن وقت النزول انقطع ، والأمر لما بعد ، أو يقال معنى باشروهن أبحنا لكم مباشرتهن بعد الحظر ، فيكون الآن لوقت النزول على هذا الوجه ، وعبرهما بالمباشرة عن الجماع وهنالك بالرفث ، لأنه هنا حلال بخلافه هنالك ، فإنه فعل محرم قبيح ، وسمى مباشرة لأن فيه إلصاق البشرة أى الجلدة بالجلدة غالبا ، بل لو لم يكن إلا فرج فى فرج ففيه مس جلد الفرج بجلد الفرج ﴿ وَابْتَغُواْ ﴾ اطلبوا ﴿ مَا كَتَبَ ﴾ فى اللوح المحفوظ أو قدره ﴿ اللهُ لَكُمْ ﴾ معشر المسلمين من الولد إجمالا ، إذ ليس لكل فرد ولد ، بل الولد لبعض دون بعض ، فتعبهم بأن يطلب كل واحد ولدا ، ويرجو أن يكون ممن قدر لها ولد فيثاب على الدعاء ، وعلى أنه كان والدا ، ويرجو أن يكون ممن قدر له فيثاب على الدعاء ، وعلى أنه كان له ولد مطيع لله نافع له بعد موته مثلا لنيته ، أو المعنى دونكم وما أباح لكم من الجماع ، وخذوا منه ما شئتم ، أو ذلك كله ، وهكذا يكون الجماع بقصد تحصين النفس عن الزنا وبقصد طلب ولد مسلم ، لا اللذة وحدها كالبهيمة ، فتضمنت الآية النهى عن الجماع فى الدبر ، إذ لا ولد منه ، والنهى عن العزل ، وهو صب الماء خارجا هرقا عن الولد ، ولا يعزل عن الحرة إلا بإذنها خلافا لمن أجازه ، ولا سيما من أجازه عند فساد الزمان ، وجاز عن الأمة المتزوجة بإذن مالكها وقيل بإذنها ، وعن السرية بلا إذن ، ولفظ ما لعموم الجماع والولد ، وإن كان للولد فلأن النطفة وما قبل نفخ الروح غير عاقل ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُواْ ﴾ الليل كله متى شئتم لا قبل صلاة العشاء أو النوم فقط ، والأكل واجب ، كما إذا خيف الموت بالجوع أو مضرة فى بدنه ، أو للحمل ، وجائز إذا جاع دون ذلك ، وحرام كأكل الحرام والميتة والأكل على الشبع إلا لعق الأصابع والصفحة فإنه جائز على الشبع ، وإلا ماء زمزم ، ومكروه كريبة فى طعام من جهة المعاملة ، وفى نفسه كالحيوان المكروه ، ومستحب كأكل الحلو عند الإفطار فى المغرب ، والإفطار فى المغرب ، والإفطار صبح عيد الفطر ، والإفطار ضحى بزيادة الكبد ﴿ حَتَّى ﴾ غاية للأكل والشرب لا لهما وللجماع لقوله صلى الله عليه وسلم ، من أصبح جنبا أصبح مقطراً ، فيجب الكف عنه إذا لم يبق ما يتطهر فيه ﴿ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ ﴾ الضياء التشبيه بالخيط الأبيض ﴿ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ﴾ من بقية الليل ، السواد الشبيه بالخيط الأسود متعلق بيتبين ﴿ مِنَ الْفَجْرِ ﴾ حال من الخيط ، ومن للبيان ، كأنه قيل والخيط الأبيض هو الفجر ، أو للتبعيض ، اعتباراً ، لكون الفجر اسما للكل والبعض ، فإن أريد به الكل فتبعيضه ، وإن أريد به الجزء فبيانية ، كما إذا قلنا إنه اسم لكله فإنها بيانية بتقدير مضاف ، أى وهو بعض الفجر ، ولم يبين الخيط الأسود بقوله من بقية الليل ، أو قوله من الغبش اكتفاء ببيان الخيط الأسود لأن بيانه بيان له ، ولم يعكس لأن غالب أحكام الصوم من حرمة المباشرة والأكل والشرب مرتبطة بالفجر لا بالليل ، وبيان الشىء بيان لضده ، والمراد بالخيط الأسود طرف ظلمته المتصل بالفجر ، فلا يشكل اتساع الظلمة حتى لا يكون كخيط ، أو سماها كلها خيطا لمشاكلة ما هو كخيط وهو الفجر ، ومعلوم أن الله لا يأمر الناس يأكل التراب وغير المغذى إلا ما كان دواء ، وأكل التراب حرام فيلتحق به ما أشبهه ، فليس الله يقول لنا كلوا التراب وغيره حتى يتبين لكم إلخ؛ فليس ما لا يغذى مفطرا للصيام لأنه لم يدخل فى الآية ، هذا قلته من جانب من يقول لا يفطر إلا المغذى ، ولم أر من ذكر مثله ، ومشهور المذهب خلافه ﴿ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ ﴾ من الفجر ﴿ إِلَى الَّيْلِ ﴾ والأمر للوجوب ولو فى صوم النفل لوجوب الوفاء وتجريم إبطال العمل إلا ما أجازه الشرع ، كما إذا استثنى من الليل أو اعترض له أخوه فى الله بالإفطار فيما يقال ، وفى الآية نفى الوصال .
نزلت الآية فى صرمة بن قيس ، صنعت له زوجه طعاما فأخذه النوم من شدة تعبه نهارا ، فأيقظته فامتنع من الأكل بعد النوم ، ففى نصف النهار من بعد الليل غشى عليه ، ولما أفاق أتى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فنزلت .
وكان رجال يربطون فى أرجلهم الخيط الأبيض والخيط الأسود ويأكلون حتى يمتاز ، أو ذلك قبل أن ينزل من الفجر ، وكذا جعل عدى رضى الله عنه عقالا أبيض وعقالا أسود فى وسادته ، وجعل ينظر ولا يتبين له الأمر ، فعذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره ، فقال صلى الله عليه وسلم « إن وسادك لعريض أو إنك لعريض القفا » ، ذلك سواد الليل وبياض النهار ، ثم نزل من الفجر ، كما فهمه صلى الله عليه وسلم ، أو نزلت قبل إخباره ، ولا تلبس الآية بالفجر الكاذب لأنه يعقبه سواد ولأن معه خيطين أسودين لا واحد ، وليس فى الآية تأخير البيان عن وقت الحاجة ، لأن الآية موكولة إلى الفهم ، فيفهم من الفجر قبل نزوله ولو لم يفهمه بعض ، وقيل نزل ذلك قبل رمضان ، ففيه تأخير البيان عن وقت الخطاب ، لا عن وقت الحاجة ، وهو جائز ، ولكن نزولهما قبل رمضان لم يصح ، ولا يقال الآية خطاب بظاهرها من نحو العقالين ، ثم نسخ ذلك الحكم بقوله من الفجر ، لأن قوله من الفجر نزل مع ما قبله بمرة ، ولأن الخطاب على لمجاز ، وهو واجب ولو لم يتفطن له نحو عدى ﴿ وَلاَ تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ ﴾ أى مقيمون فيما إذا اعتكفتم فيها ، فلا جماع ليلا أيضا ، كما لا جماع نهاراً ، لا فى بيوتكم ولا فى المساجد ، سواء اعتكفتم بالصوم ، وهو واجب فى الاعتكاف ولو فى غير رمضان ، وهو مذهبنا ، أم بغير صوم فى غير رمضان ، ويجوز الاعتكاف فى كل مسجد لهذه الآية ، أفضلها ما فيه الجماعة والجمعة والأذان ، وخصه بعض ما فيه ذلك ، وبعض بالمسجد الحرام ومسجد المدينة وبعض بالمسجد الحرام ، ولا يصح اعتكاف دون ثلاثة أيام ، ولا اعتكاف بلا صوم وأجيز يوم ولو صوم ، لما روى عنه صلى الله عليه وسلم ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه ، ويفسد بالجماع ﴿ تِلْكَ ﴾ الأحكام من المباشرة فى الاعتكاف والوطء بلا ابتغاء ، بل لقصد اللذة أو الأكل وللشرب بعد الفجر ﴿ حُدُودَ اللهِ ﴾ حدها لعباده ليقفوا عندها .
﴿ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ لا تفعلوها ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أى كما يبين لكم تلك الأحكام ﴿ يُبَيِّنُ اللهُ ءَايَتِهِ لِلنَّاسِ ﴾ المراد مطلقا ، أو الآيات الدالة على الأحكام ، كما يدل له قوله تعالى ﴿ لَعَلَّكُمْ يَتَّقُونَ ﴾ المحرمات من ترك المفروضات وفعل الممنوعات .
افتحه في القارئ · صفحة ١٩٤