سورة البقرة · الآية ٢٢ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشࣰا وَٱلسَّمَاۤءَ بِنَاۤءࣰ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقࣰا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادࣰا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ٢٢
الرسم الإملائيّ

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ

الجزء ١الربع ١ صفحة ٤

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 22]

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً ﴾ بساطاً ، تقعدون عليها ، وتنامون وتتقلبون ،

﴿ وَالسَّمَاء بِنَاء ﴾ سقفاً ،

﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً ﴾ أمثالاً تعبدونهم كعبادة الله ، وهو متعلق بالأمر ، أي اعبدوا ربَّكم الذي جعل لكم هذا لتسعينوا به على العبادة فلا تجعلوا له أنداد ، لأن أصل العبادة وأساسها التوحيد ، وأن لا يجعل له ندَّ ولا شريك في شيء ، لأنه لم يشاركه أحد في ما جعله وخلقه وأنعم به عليكم ،

﴿ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يستحق العبادة غيره ، فكيف وأنتم من أهل العلم ، وجعلُ الأصنام لله أندادً غاية الجهل ، ولمَّا احتج عليهم بما يثبت الوحدانية ، ويبطل الإشراك ، [أحتج] بخلقهم أحياء قادرين ، وخلق الأرض الني هي مكانهم ومستقَّرهم ، وخلق السماء التي هي كالقبَّة المضروبة على هذا القرار وما سواه عزَّوجلَّ ، من شبه عقد النكاح التكافؤ بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها ، والإخراج به من بطنها من الثمار رزقاً لهم ، فهذا كلُّه دليل موصل إلى التوحيد ، مبطل للإشراك ، لأن المخلوقات عاجزة لا تقدر على إيجاد شيء ، فكيف تستحقُّ أن تعبد .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٩

[سورة البقرة — آية 22]

قوله : ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً ﴾ فرشكموها ثم جعلكم عليها . وهو مثل قوله : ﴿ بِسَاطاً ﴾ [ نوح : 19 ] و ﴿ مَهْداً ﴾ [ طه : 53 ، والزخرف : 10 ] قال : ﴿ وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ﴾ . ذكروا عن الحسن أن الرسول صلى الله عليه وسلم « قال يوماً لأصحابه : ما تسمُّون هذه؟ أو قال : هذا ، يعني السماء » قالوا : السماء . قال : « هذا الرقيع ، موج مكفوف . غلظها مسيرة خمسمائة عام ، وبينها وبين السماء الثانية مسيرة خمسمائة عام ، وغلظها مسيرة خمسمائة عام . وبينها وبين السماء الثالثة مسيرة خمسمائة عام ، وغلظها مسيرة خمسمائة عام . وبينها وبين السماء الرابعة مسيرة خمسمائة عام ، وغلظها مسيرة خمسمائة عام . وبينها وبين السماء الخامسة مسيرة خمسمائة عام ، وغلظها مسيرة خمسمائة عام . وبينها وبين السماء السادسة مسيرة خمسمائة عام ، وغلظها مسيرة خمسمائة عام . وبينها وبين السماء السابعة مسيرة خمسمائة عام ، وغلظها مسيرة خمسمائة عام . وبين السماء السابعة وبين العرش كما بين سماءين . وغلظ هذه الأرض مسيرة خمسمائة عام . وبينها وبين الثانية مسيرة خمسمائة عام وغلظها مسيرة خمسمائة عام . وبينها وبين الثالثة مسيرة خمسمائة عام ، وبين الرابعة إلى الخامسة مثل ذلك وبين الخامسة إلى السادسة مثل ذلك . وبين السادسة إلى السابعة مثل ذلك » .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ بينما كان ] في مسير له في يوم شديد الحرّ ، إذ نزل منزلاً فجعل رجل ينتعل ثوبه من شدّة الحرّ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني أراكم تجزعون من حر الشمس وبينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام ، فوالذي نفسي بيده لو أن باباً من أبواب جهنم فُتح بالمشرق ورجل بالمغرب لغلا منه دماغه حتى يسيل من منخريه » .

قوله : ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً ﴾ يعني أعدالاً ، تعدلونهم بالله وتعبدونهم ، وهو الله لا شريك له . ﴿ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه خلقكم وخلق السماوات والأرض وأنه رازقكم؛ كقوله : ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله ﴾ [ الزخرف : 87 ] ، وكقوله : ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴾ [ الزخرف : 9 ] . وقال في آية أخرى : ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ الله ﴾ [ العنكبوت : 61 ] .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٩

[سورة البقرة — آية 22]

﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ﴾ فى جملة من سواكم ﴿ الأَرْضَ فِرَشاً ﴾ بساطا خارجاً عن الماء مع ثقلها ، ينتفع به لا صلباً ضاراً ، ولا رخوا مفرقا ، وسماها بساطا ولو قيل : إنها كريّة الشكل؛ لأن الكرة إذا عظمت كان كل قطعة سطحا ، وكانت قبل خلق السماء كرية ، وبعد خلق السماء دحيت ، أى بسطت ﴿ وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ﴾ من فوقكم كالسقف ، كما جاء فى آية أخرى ، أنها كسقف للأرض أو كقبة مضروبة على الأرض ، لتقدم خلقها ، ولأنهم فيها ، ولأن انتفاعهم بها أكثر ، ولأنها ما يحتاج إليه بعد الوجود ، إذ لا بد من مكان يستقر فيه ، أو لأنها أفضل من السماء ، لأن الأنبياء منها وفيها ، وهذا قول ﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ أى من جهتها ، أو من السحاب سماه سماء ﴿ مَآءً ﴾ والله قادر أن ينزل من السماء إحدى السبع ماء فى سرعة ﴿ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَتِ ﴾ أخرج به ﴿ رِزْقاً ﴾ من الثمرات ﴿ لَّكُمْ ﴾ تأكلونه ، وتعلفون دوابكم وتلبسونه كالقطن والكتان ، وما لدواب الناس هو لهم ، من الثمرات حال من رزقا ، ومن للتبيعيض أو للبيان ، ورزقا مفعول به ، أو من اسم بمعنى بعض ، مفعول به ورزقا حال مِنَ مَن ، والثمرات جميع ما تخرج الأرض حتى الحشيش ، أو الثمار ، ونواها داخل فيها علف ، وذلك أسباب ألا تجعلوا له أنداداً ، كما قال ﴿ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلهِ أَنْدَاداً ﴾ شركاء فى العبادة ، مقاومين لله تعالى عن ذلك ، فإن كل ما سواه عاجز ذليل ، خلقه الله وملكه ، وذلك أن ما يصنعون بأصنامهم ، وما يعبدونه فى صورة المقاومة ، قالوا بها أو لم يقولوا ، والند المقاوم مثلا ، أو خلافا ، أو ضدا ، وهم لا يقولون بالمناداة ، أو الند الكف ، أو المثل ، وإذا جمع مع غير كالكف ، والضدو المثل والشبيه كان كل بمعناه على حدة ، الند مثل الشىء الذى يضاده ويخالفه فى أموره ، وينافره ، من ندّ البعير إذا نقر ، وقيل : الند المشارك فى الجوهرية ، والشِّكل المشارك فى القدر والمساحة والشبه المشارك فى الكيفية والمساوى فى الكمية ، والمثل عام . وفى تسمية الأصنام أنداداً استعارة تهكمية . لأنهم علموا أنها عاجزة لا فعل لها ، ولا تشارك الله تعالى فى شىء ، كما يستعار أسد للجبان ، والتبشير للوعيد ، وحكمه ذلك الإشارة إلى أن عليهم ذنب من اعتقدها مشاركة له فى صفاته وأفعاله ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه ليس فى كتاب من كتب الله ثبوته الند له تعالى ، وتعلمون أنه الخالق ، وغيره ليس خالقا ، فكيف يصح لكم جعل من لا يخلق شيئا إلها مع ما تشاهدون من حديث غيره وعجز غيره ، هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شىء ، أو تعلمون من أهل التوراة والإنجيل أنه ليس فيها جواز اتخاذ الأنداد ، بل النهى .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٩