سورة البقرة · الآية ٢٧ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
ٱلَّذِینَ یَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِیثَٰقِهِۦ وَیَقۡطَعُونَ مَاۤ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦۤ أَن یُوصَلَ وَیُفۡسِدُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ أُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ٢٧
الرسم الإملائيّ

الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ

الجزء ١الربع ٢ صفحة ٥

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 27]

﴿ الَّذِينَ ﴾ صفة لهم ﴿ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ﴾ النقض : الفسخ ، وفك التركيب والكسر ، والعهد الموثَّق ما ركز في عقولهم من الحجَّة على التوحيد ، كأنه أمرٌ وصاهم به ، ﴿ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ أصله من الوثاقة ، هي إحكام الشيء ، ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ أي قطع الوصل الذي به نظام العالم وصلاحه ، وقيل : الإيمان بمحمَّد  وبجميع الرسل ، لأنهم قالوا : ﴿ نؤمن ببعض ونكفُر ببعض ﴾ وإذا قطع تولَّد منه الفساد . ﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ﴾ بعد إصلاحها ، أي خلقها الله صالحة ، منتفعاً بها للتزوُّد للمعاد ، ﴿ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ أي خسروا ما خلق الله لهم من النعم ، حيث كفروها فلم ينتفعوا بها ، بل حاق بهم ضررها ، لأنهم ازدادوا بها عذاباً ، وخسروا إهمال العقل عن النظر ، واقتناص ما يفيدهم الحياة الأبديَّة .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٤

[سورة البقرة — آية 27]

ثم قال : ﴿ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ وهو الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم . وتفسيره في سورة الأعراف .

قال : ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ قال ابن عباس : ما أمر الله به من الإِيمان بالأنبياء كلهم ، لا نفرق بين أحد منهم . وقال بعضهم : ما أمر الله به من صلة القرابة .

قال : ﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ﴾ والفساد فيها العمل بمعاصي الله ، وأعظم المعاصي الشرك . ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ ؛ أي : خسروا أنفسهم أن يغنموها فيصيروا في الجنة فصاروا في النار ، وخسروا أنفسهم من الحور العين . وتفسيره في سورة الزمر .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٤

[سورة البقرة — آية 27]

﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ ﴾ يبطلون إبطالا شبها بفك طاقات الحبل ، العهد الشبيه بالحبل فى التوصل به إلى المراد ، من نجاة من مكروه ، وفوز بما يحب ، وهو ما أنزل الله عز وجل فى كتبه ، القرآن وما قبله ، من الإيمان به صلى الله عليه وسلم ، فإن ذلك كالمعلوم ولو لم يعلم لقوة حججه كأنه معلوم ، ولو لمن لم يعلمه ، وزاد أهل الكتاب بما فى كبتهم من أخذ الميثاق عليهم وعلى أنبيائهم ، أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقد أخذ الله العهد بالإيمان على بنى آدم يوم قال : ألست بربكم ، وأخذ الله العهد على الأنبياء ، أن يقيموا الدين ويؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأخذ العهد على أنفسهم ، أن يؤمنوا به ، وأخذا العهد على العلماء ، وعلى من علم أن يبينوا الحق ، والآية فى الكفار عموماً ، شبه العهد ، وهو ما عهد الله عز وجل إلى الخلق من الدين بالحبل بجامع التوصل إلى المقصود والارتباط ، ولم يذكره ، ودلّ له بذكر مناسبه ، وهو النقض ، فالحبل استعارة بالكناية ، وقرينتها تصريحية تبعية ، وهى ينقض ، فهنا استعارة مكية ، قرينتها استعارة تحقيقية لا تخييلية ، شبه إبطال العهد بقطع الحبل أو فك طاقاته ، فسمى الإبطال نقضا ، واشتق منه ينقض ﴿ مِنْ بَعْدِ مِيثَقِهِ ﴾ تأكيد الله وإبرامه للعهد بالأدلة الفعلية والنقلية ، كالكتب من الله ، فالهاء للمضاف إليه ، وهو الله ، ولا إشكال فيه ، إذا كانت الإضافة لفظية ، كالإضافة إلى الفاعل كما رأيت ، أو المفعول كما ستراه ، إن شاء الله ، فإنها فى منزلة عدم الإضافة أو من بعد ميثاق العهد ، أى إبرامه كذلك أو تأكده وتقويه من الله ، أو منهم بالقبول والالتزام ، فالهاء للعهد ، والميثاق التوثق أو التوثيق ، أو آلة . أى ما وثق الله تعالى به عبده من الآيات ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾ أى بأن يوصل ، وهو الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء ، وعدم التفرقة بين رسول الله وآخر ، وكتاب آخر ، والرحم ، والمؤمنين ، والجهاد وسائر الدين ، وما ذكر من العموم أولى فى تفسير ما أمر الله به ، بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وإطلاق ما عليه ، ومن تفسيره بالقرآن أو الرحم ، ومن تفسيره بوصل القول بالعمل ، ومن تفسيره بالأنبياء وأن يوصل بدل اشتمال من الهاء كما رأيت ، والأمر طلب الفعل جزما ولو ندبا ، أو بشرط العلو ولو ادعاء ، أو بشرط تحقق العلو ﴿ وَيُفْسِدُونَ فِى الأَرْضِ ﴾ بالمعاصى مطلقا ، أو بالمنع عن الإسلام ، وقطع الطريق عن من يهاجر ، وهو أولى ﴿ أُولَئِكَ ﴾ البعداء عن مقام الخير بصفاتهم الخبيثة ﴿ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾ المبطلون لمصالح أنفسهم ، إذا صاروا للنار ، إذ لم ينتفعوا للآخرة بعقولهم ، وأموالهم ، وأبدانهم ، وأولادهم ، وجاههم ، وأبطلوا نساءهم فى الجنة ومنازلهم فيها ، فلا رأس مال ولا ربح .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٤