سورة البقرة · الآية ٣٦ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّیۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِیهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُوا۟ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوࣱّۖ وَلَكُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرࣱّ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِینࣲ٣٦
الرسم الإملائيّ

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ

الجزء ١الربع ٢ صفحة ٦

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 36]

﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ عن الجنَّة ، بمعنى أذهبهما عنها ، وأبعدهما فأخرجهما ،

﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ من النعيم والكرامة ، أو من نعمة الطاعة ،

﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ والضمير لآدم وزوجته ، وإبليس فيما قيل ،

﴿ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ استقرا ﴿ وَمَتَاعٌ ﴾ وتمتُّع بما أوتوا ﴿ إِلَى حِينٍ ﴾ إلى الموت ، قال ابن أدهم (لعله ابن آدم) : << أورثنا تلك الأكـلة حزنا طويلاً >> قال غيره : << لا يُعبأ بالحزن الفاني إذا أعقبته السلامة >> .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٣

[سورة البقرة — آية 36]

قوله : ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ . قال بعضهم : بلغنا أن إبليس دخل في الحية فكلّمهما منها . وكانت أحسن الدوابّ فمسخها الله ، ورد قوائمها في جوفها وأمشاها على بطنها .

وقال الكلبي : دعا حواء من باب الجنة فناداها ، فدعاها إلى أكل الشجرة ، وقال : أيُّكما أكل منها قبل صاحبه كان هو المسلَّط على صاحبه .

وتفسير الحسن أنه وسوس إليهما من الأرض . قال : ولم يكن له أن يلبث فيها بعد قول الله : ﴿ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ [ الحجر : 34 ] .

قال الكلبي : فابتدرا الشجرة ، فسبقته حواء ، وأعجبهما حسن الشجرة وثمرتها ، فأكلت منها وأطعمت آدم . فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما . وكانا كُسِيَا الظفَر ، فبدت سوءاتهما وأبصر كل واحد منهما ما كان وُوري عنه من سوأته فاستحييا ﴿ وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ ﴾ [ الأعراف : 22 ] يرقعانه كهيئة الثوب ليُواريَا سوءاتهما . ثم ﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ [ الأعراف : 22 ] أي : بَيَّن العداوة . فاعتل آدم بحواء وقال : هي أطعمتني فأكلته .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لولا بنو إسرائيل ما خنز لحم وما أنتن طعام ، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها » .

ذكر بعضهم أن حواء هي التي كانت دلت الشيطان على ما كان نهى عنه آدم في الجنة .

ذكر الحسن عن النبي عليه السلام أن آدم كان رجلاً طويلاً كأنه نخلة سحوق ، جعد الشعر . فلما وقع بما وقع بدت له عورته ، وكان لا يراها قبل ذلك ، فانطلق هارباً ، فأخذت شجرة من الجنة برأسه ، فقال لها : أرسليني . فقالت : لست بمرسلتك . فناداه ربه : يا آدم ، أمني تفرّ؟ فقال رب إني استحييتك .

قوله : ﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ . يعني آدم معه حواء وإبليس . والحية التي دخل فيها إبليس لا تقدر على ابن آدم في موضع إلا لدغته ، ولا يقدر عليها في موضع إلا شدخها . وقال في رواية أخرى : ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ﴾ [ الكهف : 50 ] قال بعضهم : من قتل حيّةً فقد قتل كافراً .

قوله : ﴿ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ المستقر من يوم يولد إلى يوم يموت . وهو مثل قوله : ﴿ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ ﴾ [ الأعراف : 25 ] ويعني بالمتاع معايشهم في الدنيا ، يستمتعون بها . وقوله : إلى حين ، يعني الموت .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٣

[سورة البقرة — آية 36]

﴿ فَأَزَلَّهُمَا ﴾ أخرجهما إخراجا شبيها بالإزلال ، أى بالإزلاق ، فذلك استعارة أصلية اشتق منها تبعية فى أزل ، أو حملهما على الزلة وهى الذنب ، وهو راجع إلى ذلك لأنه شبه الذنب بالزلق ﴿ الشَّيْطَنُ ﴾ إبليس ، بقوله ، هل أدلك على شجرة الخلد . . إلخ وقوله ﴿ مَا نَهَاكُمُ رَبُّكم . . إلخ ﴾ ومقاسمته لهما بعد إخراجه من الجنة لإبائه وتكبره ، اتصلت إليهما وسوسته من حيث هو من الدنيا ، أو من سماء ، لخلق الله عز وجل له قوة ذلك ، أو ذهبا فى فى الجنة تمتعا حتى وصلا بابها ، فأسمعهما من خارج الباب ، أو دخل الجنة متصورا فى صورة دابة من دواب الجنة ولم تعرفه الملائكة أو دخل فى فم الحية فمنه سمها ، وكانت بقوائم على طولها من أحسن الدواب ، فعوقبت بسلب القوائم ، وقيل تسورت على الحائط ، وقيل وقف طاووس على الجدار . فذهب إليه آدم وحواء فوسوس منهما إليه ، وقد جاز إلى قرب الحائط ، وقيل وسوس إليهما من وراء الجدار ﴿ عَنْهَا ﴾ أى عن الجنة ، أو أزلهما عن الجنة عنها ، أى بالشجرة ، إذ أمرهما بالأكل منها ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا ﴾ أى الشيطان بسبب الأكل الذى وسوس به ، أسند الإخراج إلى السبب ﴿ مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ من النعم واللباس والجنة ، وهذا فى ضمن لإخراج المذكور بقوله أزلهما ، كرره تفصيلا وزيادة زجر لغيرهما ، وطاعة آدم وحواء نسيانا لنهى الله عز وجل ، أو توهما من أول الأمر ، أن النهى للتنزيه من أمر سهل ، يتحملانه من الأكل ولا يضرهما أو توهما التنزيه أو النسخ من قوله ما نهاكما وقوله ، هل أدلك ، ودعوه النصح مع القسم احتراماً لحق الله أن يكذب عنه ، ويخالف وعد ذلك دنيا فى حقهما لعلو مرتبتهما وعظم النعمة عليهما ، فلا يردد أن الأنبياء لا يعصون قبل النبوة ولو صغيرة ، ولا يستحضر فى قصة آدم ما يقال حسنات الأبرار سيئات المقربين ، إذ لم يفعل آدم شيئاً مما عوتب عليه يدعيه حسنة بل يستحضر أنه يعد فى حق على الرتبة ذنبا ما ليس ذنبا فى حق غيره ، ﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا ﴾ أنت وحواء ، عبر عنهما بصيغة الجمع ، كما قال اهبطوا منها جميعاً إلى الأرض ، أنتما ومن فيكما من الذرية ، وفيه خطاب المعدوم ، أو أنتما وإبليس والحية ، قيل والطاووس فنزل آدم بسر نديب من الهند على جبل يسمى نود ، أوحواء بجدة بضم الجيم فى مدة أربعين عاما فيما قيل ، والله قادر على أقل كما ينزل جبريل وغيره فى لحظة ، وإبليس بأصبهان ، والطاووس بالشام ، أنتما لأكلكما من الشجرة . وإبليس لإبائه ، والحية لحملها إبليس ، والطاووس لإبلاغ أمر إبليس إليهما ، وليس قولا بمرة ، بل أهبط إبليس ، ثم الحية ، فالطاووس ، ثم آدم وحواء ، وللحية والطاووس فى الجنة عقل ، فعوقبا بالإخراج أو ليس عقابا ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ يطلق على الواحد فصاعدا ، لأنه بوزن المصدر ، كالقبول كما أنه يطلق فعيل الوصف كذلك لشبهه بالمصدر كالدبيب ، والصرير ، وذلك مجموع لاجميع فإن العداوة بين آدم وحواء فريقا ، وبين إبليس والحية فريقا لا بين آدم وحواء ، ولا بين إبليس والحية ، ولا بينهم وبين الطاووس ، وقيل الخطاب للذرية فى ضمن أبويهما ، آدم وحواء ، وذلك ظلم بعض لبعض ﴿ وَلَكُمْ فِى الأَرْضِ ﴾ متعلق بلكم لنيابته عن ثبت أو ثابت ﴿ مُّسْتَقَرٌّ ﴾ استقرار أو موضعه ، والأول أولى ، وليس المراد الموضع الذى نزلوا فيه ﴿ وَمَتَعٌ ﴾ تمتع أو ما يتمتع به ﴿ إِلَى حِينٍ ﴾ آخر أعماركم ، وقيل قيام الساعة ، لأن المراد هم وذرياتهم تنازعه مستقر ومتاع .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٣