وَظَلَّلۡنَا عَلَیۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَیۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُوا۟ مِن طَیِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ یَظۡلِمُونَ٥٧
الرسم الإملائيّ
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
الجزء ١الربع ٣ صفحة ٨
تفسيرها
﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ﴾ قيل : ذلك في التيه ، سخَّر الله لهم السحاب يسير سيرهم يظلَّهم من حرَّ الشمس ، وذلك أنه لم يكن لهم في التيه كنٌّ يسترهم فيشكوا إلى موسى ، فأرسل الله غماما أبيض رقيقا أطيب من غمام المطر فيما قيل . ﴿ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ ﴾ قيل : كان ينزل عليهم مثل الثلج ؛ وقال : الزجاج ، << جملة المنِّ ما يمنُّ الله من غير تعب >> . ﴿ وَالسَّلْوَى ﴾ قيل : كان يبعث عليهم طيورا سُمَانَى ﴿ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ ﴾ لذيذات ، أو حلاوات ، ﴿ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا ﴾ أي ضَّره ظلمهم جلَّ وعزَّ وتعالى عن ذلك ، ﴿ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ لأن وبال ظلمهم راجع ضرره إليهم على أنفسهم .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٤
قوله : ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى ﴾ . ذكروا أن مجاهداً قال : الغمام غير السحاب .
قال الكلبي : لما سلكوا مع موسى أرض التيه والمفاز ظلّل الله عليهم الغمام بالنهار ، يقيهم حر الشمس ، وجعل لهم بالليل عموداً من النار يضيء لهم مكان القمر ، وأنزل عليهم المنّ والسلوى .
قال بعضهم : المنّ صمغة تسقط عليهم من السماء . وكان ينزل عليهم المنُّ في محلّتهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس . وكان أشد بياضاً من الثلج ، وأحلى من العسل؛ فيأخذ أحدهم ما يكفيه يومه ، وإن تعدّى ذلك فسد ولم يبق عنده . حتى إذا كان يوم سادسهم ، يعني يوم الجمعة ، أخذوا ما يكفيهم ذلك اليومَ ويومَ سابعهم ، يعني السبت ، فيبقى عندهم ، لأن يوم السبت إنما كانوا يعبدون الله فيه ، لا يشخصون لشيء من الدنيا ولا يطلبونه . قال : والسلوى السُّمَانَى ، طير إلى الحمرة كانت تحشرها عليهم الجنوب ، فيذبح الرجل ما يكفيه يومَه ، فإن تعدّى ذلك فسد ولم يبق عنده ، إلا يوم الجمعة فإنهم كانوا يذبحون ليومهم والسبت .
قوله : ﴿ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ يعني بالطيبات المن والسلوى ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ أي بمعصيتهم . وقال بعضهم يضرّون أنفسهم . وقال بعضهم ينقصون أنفسهم ، وذلك تعدّيهم في المن والسلوى .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٤
﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ﴾ أى جعلناه ظلة عليكم من حر الشمس ، وهو السحاب الرقيق ، يسير بسيرهم فى التيه ، أمرهم الله بقتال الجبارين ، فقالوا اذهب أنت وربك فقاتلا ، فحبسهم الله فى التيه ، وكانوا يسيرون ليلا ونهاراً ، وينزل عليهم عمود من نور يَسيرون فى ضوئه ، وثيابهم لا تنسخ ولا تبلى ، وذلك من الله ، لا كما قيل لا تبلى لعدم الحرارة ، ولا تنسخ لعدم الدخان ، والتيه واد بين الشام ومصر ، فيه طرق لا رمل فيها ، بين جبال من رمل يمشى فيها الركب المصرى والمغربى والشامى ، عرضه تسعة فراسخ فى ثلاثين فرسخا ، وقيل ستة فراسخ فى اثنى عشر فرسخا ، وقيل خرجوا من التيه فوقعوا فى صحراء ، واشتكوا الحر فظللهم الله عز وجل بالغمام ، وقيل من عبدالله منهم ثلاثين سنة ولم يعص فيها أظله الغمام ، فكان ذلك لجماعة منهم ﴿ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ ﴾ فى التيه [ الْمَنَّ ] الرنجين بالمثناة الفوقية والراء المهملة والجيم الموحدة والمثناة التحتية النون ، لفظ يونانى تستعمله الأطباء ، ويقال معرب ترتكين ، وهو شىء يشبه الصمغ ، حلو مع بعض حموضة ، وينزل على الأشجار قليلا إلى الآن فى بوادى تركستان ، وهو مشهور فى بلدة آمد وحواليها ، شهر فيهم بحلوة القدرة ، وقد أمروا فى التيه أن لا يأخذوا أكثر من صاع كل يوم ولا يدخروا الزيادة إلا يوم الجمعة ، فيأخذون فيه صاعين ليدخروا ليوم السبت ، فإنه لا ينزل يوم السبت [ وَالسَّلْوَى ] طائرٌ يشبه السمان أو هما السمان ، وألفه ليست للتأنيث لورود سلواة ، قلبت هذه التاء للوحدة لا للتأنيث ، وقيل هو واحد والجمع سلاوة ، وقيل هو للواحد فصاعدا ، تبعثه عليهم ريح الجنوب ، فيذبح الرجل ما يكفيه على حد ما مر فى المن ، ويطير الباقى وذلك بكرة وعشية ، أو متى شاءوا وادخروا من المن والسلوى فأصاب النتن ما ادخروا وفى البخارى ومسلم عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم ، « لولا بنو إسرائيل لم تخز اللحم » . الحديث ، ويروى أن السلوى تجيئهم مطبوخة أو مشوية ، قيل ويناسبه الحديث المذكور ، لأن التغيير أنسب بالمطبوخ ، وهو أعظم معجزة قلت كما يخنز المطبوخ يخنز غير المطبوخ ولا تثبت المعجزة بلا دليل قوى ، وقدم المن مع أنه حلوى على السلوى مع أنها غذاء ، لأن نزوله من السماء خارق للعادة بخلاف الطير قائلين لكم ﴿ كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ ﴾ المن والسلوى طيبان ، طيب لذة وطيب حلال وطيب مجىء بلا كسب ، فكفروا النعمة وادخروا فقطا عن حالهما فصارا يدوران ويختزان ، ولو بلا ادخار ، وعاشوا بهما كذلك ، وإذا وضع الطعام بين يديك فقيل لا تأكل حتى يقول حامله إليك كل لمناسبة الآية ، وقيل لك الأكل بلا انتظار لقوله : كل وهو أولى ، إن اطمأنت النفس ، لذلك ظلموا أنفسهم بذلك ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ﴾ أشار به إلى أنهم ظلموا أنفسهم بالكفر والمختلفة ، وصرح به فى قوله ﴿ وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ تكرر الظلم منهم واعتادوه ، وكانوا ستمائة ألف فى التيه ، وفيه مات هارون وموسى ، وماتوا كلهم فيه إلا من لم يبلغ العشرين ، ذهب موسى وهارون إلى غار ، فمات هارون ، فدفنه موسى ، فقالوا : قتلته لحبنا إياه ، فتضرع إلى الله ، فأوحى إليه أن سر بهم إليه ، فناداه ، يا هارون ، فخرج ينفض رأسه ، فقال : أنا قتلتك؟ قال : لا ، ولكن مت ، قال : فعد كما كنت فى قبرك ، وعاش موسى سنة ، ومر فى حاجة له بملائكة يحفرون قبراً لم ير أحسن منه بهجة وخضرة ونضرة ، فقال : يا ملائكة الله ، لمن تحفرون هذا هذا القبر؟ فقالوا : لعبد كريم على ربه ، فقال : إن هذا العبد من الله بمنزلة ، فقالوا : يا صفّى الله ، أتحب أن يكون لك؟ قال : نعم .
قالوا : فأنزل فاضطجع فيه ، وتوجه إلى ربك ، ففعل وتنفس أسهل تنفس ، ومات ، وسووا عليه التراب ، وقيل : أتاه ملك بتفاحة من الجنة فشمها فمات ، وليس كما قيل ، إنه مات فى جبل أحد ، لقوله صلى الله عليه وسلم : لو أنى عنده لأربتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر ، لعدم صحة هذا الحديث عنه صلى الله عليه وسلم .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٤