سورة البقرة · الآية ٥٨ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُوا۟ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡیَةَ فَكُلُوا۟ مِنۡهَا حَیۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدࣰا وَٱدۡخُلُوا۟ ٱلۡبَابَ سُجَّدࣰا وَقُولُوا۟ حِطَّةࣱ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰیَٰكُمۡۚ وَسَنَزِیدُ ٱلۡمُحۡسِنِینَ٥٨
الرسم الإملائيّ

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ

الجزء ١الربع ٣ صفحة ٩

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 58]

﴿ وَإِذْ قُلْنَا ﴾ : لهم بعدما خرجوا من التيه ، ﴿ ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ ﴾ الأرض المقدَّسة ، ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ﴾ واسعاً ، ﴿ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدا ﴾ قيل : أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرا الله وتواضعا . ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ [أ] حطوا التعالي على الله ، وأسلموا له وقال عكرمة : << هو قول لا إله إلا الله >> وهو صحيح . ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ﴾ جمع خطيئة وهي الذنب ، ﴿ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ كما قال : (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَة) .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٥

[سورة البقرة — آية 58]

قوله : ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ ﴾ أي بيت المقدس ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ﴾ أي لا حساب عليكم فيه . ﴿ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً ﴾ قال بعضهم : هو باب من أبواب بيت المقدس ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ فازدحموا على أوراكهم خلافاً لأمر الله .

وقال الحسن : رفع لهم باب ، فأمروا أن يسجدوا لله ، يضعوا جباههم ويقولوا حطّة ، وهو كقولك : احطط عنا خطايانا . وإنما ارتفعت لأنها حكاية . قال : قولوا : كذا وكذا . قال الحسن : فدخلوا وقد حرفوا وجوههم ، ولم يسجدوا وقالوا : حنطة . وقال بعضهم : بل قالوا حبة شعيرة .

قال الله : ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً [ أي : عذاباً ] مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ . قال بعضهم : بلغنا أن ذلك العذاب كان الطاعون ، فمات منهم سبعون ألفاً .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الطاعون بقية رجز وعذاب عذِّب به من كان قبلكم ، فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها ، وإن وقع بأرض ولستم فيها فلا تقدموا عليها » وذكروا عن النبي عليه السلام أنه قال : « الطاعون رجز أرسل من قبلكم على بني إسرائيل ، فإذا وقع بأرض فلا تخرجوا فراراً منه ، وإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوا عليه » .

وتفسير مجاهد : أمر موسى قومه أن يدخلوا سجداً ويقولوا حطة ، وطؤطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يسجدوا ، وقالوا حنطة ، فنتق فوقهم الجبل ، أي : قطع؛ فجعل فوقهم وأشرف به عليهم . فدخلوا الباب سجداً على خوف وأعينهم إلى الجبل ، فرفع عنهم .

وقال الكلبي : لما فصلت بنو إسرائيل من أرض التيه ودخلوا العمران ، وكانوا بجبال أريحا من الأردن قيل لهم : ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً . وكانت بنو إسرائيل قد أخطأوا خطيئة ، فأحبّ الله أن يستنقذهم منها إن تابوا ، فقيل لهم : إذا انتهيتم إلى باب القرية فاسجدوا ، وقولوا حطة تحط عنكم خطاياكم ، وسنزيد المحسنين الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطايا إحساناً إلى إحسانهم . فأما المحسنون ففعلوا ما أمروا به . وأما الذين ظلموا فبدّلوا قولاً غير الذي قيل لهم فقالوا : حطتا سمقتا بالسريانية : أي : حنطة حمراء استهزاءً وتبديلاً لقول الله . قوله : ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ . أي : من كان محسناً زيد في إحسانه ، ومن كان مخطئاً غفرت له خطيئته .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٥

[سورة البقرة — آية 58]

﴿ وَإِذْ قُلْنَا ﴾ لمن بقى من أهل التيه حيا بعد خروجهم ﴿ ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ﴾ أريحا ، بفتح الهمزة وكسر الراء وإسكان المثناة التحتية بعدها حاء مهملة قرية فى الغور قريبة من بيت المقدس ، وهى قرية الجبارين ، فيها قوم من بقية عاد ، يقال لهم العمالقة ، ولم تصح قصص عود ، ولا أنه رأس هؤلاء الجبارين ، والقائل بإِذن الله هو يوشع بن نون ، نبأه فى أخر عمر موسى ، وربما قال له موسى : بم أوحى الله إليك ، فيقول : لم أكن أسألك عن ذلك .

ويروى أنه لما احتضر فى التيه أخبرهم بأن يوشع بعده نبى ، وأن الله عز وجل أمر يوشع بقتل الجبارين فقاتلهم ، وفتح أريحا ، وقيل : يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام ، فلطمه موسى ، وفقأ عينه ، فقال : يا رب أرسلتنى إلى عبد كره الموت ، ففقأ عينى فرد الله عليه عينه ، وقال : ارجع إلى عبدى ، وقال له : إن شئت أحياك الله عدد ما تقع عليه يدك من شعر متن الثور سنين ، فقال له موسى : ثم ماذا؟ قال : تم تموت ، قال : الآن من قريب ، ب أدننى من الأرض المقدسة رمية حجر ، وقبره فى التيه بجانب الطريق عند جبل من رمل ، ولا يصح عنه صلى الله عليه وسلم ، أن موسى عليه السلام فقأ عين ملك الموت ولا ضربه ، لأنه ظلم لملك الموت وسخط لقضاء الله ، ورد له ، اللهم إلا إن جاء فى صورة لص أو قاطع ، ولم يعلمه ملك الموت ، وعينه جسم نورانى ، وقيل : القرية بيت المقدس على يد يوشع ، وقيل على يد موسى ، وأنه خرج من التيه بعد أربعين سنة مع قومه ، وعلى مقدمته يوشع وفتحها وأقام ما شاء الله ثم مات ، وسميت القرية قرية من قرى بالألف بمعنى جمع ، وهى جامعة للعامر ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمَا رَغَداً ﴾ لا منع عليكم منى ، ولا من أحد ، ولا من قلة أو جدب ، فهذا مستثنى من كون الأمم السابقة لا يأكلون الغنيمة فإن لداحلى القرية المذكورة أكل ما فيها من مال العمالقة وأخذه وقله إلى حيث شاءوا ﴿ وَادْخُلُوا الْبَابَ ﴾ باب أريحا ، أراد الحقيقة ، فإن لها سبعة أبواب أو ثمانية ، يدخلون من أيها شاءوا ﴿ سُجَّداً ﴾ منحنين ، تواضعاً لا على الأرض ، وقيل : القرية قرية بيت المقدس ، والباب بابها المقول له باب حطة ، والقائل ادخلوا موسى عليه السلام ، قال لهم فى التيه : إذا مضت أربعون سنة وخرجتم من التيه ، فادخلوا بيت المقدس ، وقيل : خرج موسى من التيه حيا بعد الأربعين بمن بقى منهم ، ففتح أريحا ، ومات ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾ سألتنا حطة ، أو شأنك حطة ، أى أن تحط عنا ذنوبنا ، وقيل لفظ تعبد عبرانى ، لا يدرى ما هو ، وقيل تواضع لله ، أى أمرنا تواضع لله ﴿ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ ﴾ ذنوبكم ، والأصل خطابتى بياء بعد الألف زائدة ، هى ياء خطيئة ، أبدلت همزة فاجتمعت همزتان ، قلبت الثانية ، وهى لام الكلمة ، ياء ، ثم قلبت الياء ألفاً ، فكانت الهمزة بين الألفين فقلبت ياء ، وإنما أبدلوا الياء ألفاً لفتح الهمزة قبلها مع تحركها فى النصب لفظا ، وفى الجر والرفع حكما ، وقال الخليل : الهمزة على الياء التى بعد الألف ، وفعل ما ذكر ﴿ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ثواباً لإحسانهم بالطاعة ، عطفت الجملة على قولوا .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٥