وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِینَ ٱعۡتَدَوۡا۟ مِنكُمۡ فِی ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَٰسِءِینَ٦٥
الرسم الإملائيّ
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ
الجزء ١الربع ٤ صفحة ١٠
تفسيرها
﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ﴾ حال ﴿ الَّذِينَ اعْتَدَوْا ﴾ عن الحدَّ ﴿ مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ﴾ مصدر سبتَتِ اليهود إذا عظَّمت يوم السبت ، وقد اعتدوا فيه ، أي جاوزوا ما حدَّ لهم فيه من التجُّرد للعبادة وتعظيمه ، واشتغلوا بالصيد ، وذلك أن الله تعالى نهاهم أن يصيدوا في السبت بما ابتلاهم ، فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه في السبت ، فإذا مضى تفرَّقت ، فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول ، وكانت الحيتان تدخلها يوم السبت لأمنها من الصيد وكانوا يسدون مشارعها من البحر فيصطادونها يوم الأحد ، فذلك الحبس في الحياض اعتداؤهم فيه ، والله أعلم بتأويل كتابه . ﴿ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا ﴾ بتكويننا إيَّاكم ﴿ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ صغاراً مطرودين ، والخساء : الإبعاد . ﴿ فَجَعَلْنَاهَا ﴾ يعني المسخة ، ﴿ نَكَالاً ﴾ عبره لكلِّ من اعتبرها ، تنكلُ أي تمنعه ، والمسخ (لعله) صوريِّ ومعنويِّ ، ﴿ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ لمِا قبلها ، ﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ وما بعدها من الأمم والقرون ، ﴿ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم ، أو لكلِّ متقِّ سمعها .
افتحه في القارئ · صفحة ٧٢
قوله : ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدُوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ .
قال الكلبي : ذكر لنا أنهم كانوا في زمان داود بأرض يقال لها أَيْلَة وهو مكان من البحر تجتمع فيه الحيتان في شهر من السنة كهيئة العيد ، تأتيهم فيها حتى لا يروا الماء . وتأتيهم في غير ذلك الشهر كل يوم سبت كما تأتيهم في ذلك الشهر . قال بعض أهل التفسير : وذلك بلاء من الله ليعلم من يطيعه ممن يعصيه . قال الكلبي : فإذا جاء السبت لم يمَسّوا منها شيئاً . فعمد رجال من سفهاء تلك المدينة فأخذوا من الحيتان ليلة السبت ويوم السبت . فأكثروا منها وملَّحوا وباعوا .
ولم تنزل بهم عقوبة فاستبشَروا وقالوا : إنا نرى السبت قد حلَّ وذهبت حرمته ، إنما كان يعاقَب به آباؤُنا في زمان موسى ، ثم استَنَّ الأبناءُ سنةَ الآباء . وكانوا يخافون العقوبة ، ولو أنهم فعلوا لم يضرَّهم شيءٌ . فعملوا بذلك حتى أَثْرَوا منه ، وتزوّجوا النساء ، واتخذوا الأموال .
فمشى إليهم طوائف من صالحيهم فقالوا : يا قوم ، إنكم قد انتهتكم حرمة سبتكم ، وعصيتم ربّكم ، وخالفتم سنة نبيّكم ، فانتهوا عن هذا العمل الرديء من قبل أن ينزل بكم العذاب؛ فإنا قد علمنا أن الله منزل بكم عذابه عاجلاً ونقمته . قالوا : فلم تعظوننا إن كنتم علمتم بهذا العمل منذ سنين منا ، فما زادنا الله به إلا خيراً ، وإن أطعتمونا لتفعلُنَّ كالذي فعلنا . وإنما حرّم هذا على من قبلنا .
قالوا لهم : ويلكم لا تغتروا ولا تأمنوا بأس الله فإنه كأَنْ قد نزل . قالوا : ف ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ . قال الذين آمنوا : ﴿ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ﴾ . إما أن تنتهوا فيكون لنا أجر ، وإما أن تهلكوا فننجو من معصيتكم . قال الله : ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [ الأعراف : 164-165 ] ، يعني فسق الشرك . فأصبح الذين استحلوا السبت قردة خاسئين .
وقال بعضهم : صاروا ثلاث فرق : فرقة اجترأت على المعصية ، وفرقة نهت ، وفرقة كفّت ولم تصنع ما صنعوا ولم تنههم ، فقالوا للذين نهوا لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون .
قوله : ﴿ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ . والخاسىء الذي لا يتكلم وقال بعضهم : فصاروا قروداً تعاوى لها أذناب بعدما كانت رجالاً ونساءً . وقال الحسن : خاسئين : صاغرين .
افتحه في القارئ · صفحة ٧٢
﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ﴾ عرفتم ، والمعرفة إدراك نفس الشىء ، جسما كان أو عرضا ، والعلم إدراكه على صفة كذا ، ولا يقل الله عارف أو عرف ، أو يعرف بالبناء للفاعل ، فقيل ، لأن المعرفة تقتضى تقدم الجهل ، وقيل لعدم التوفيق ، وقد يستعمل ، قيل بالجواز ، ولم يتقدم جهل تعالى الله ﴿ الَّذِينَ اعْتَدَوْا ﴾ جاوزوا الحد ، وقدر بعضهم مضافا ، أى : ولقد علمتم اعتداء الذين اعتدوا ﴿ مِنْكُمْ ﴾ بصيد السمك ﴿ فِى السَّبْتِ ﴾ وقد بعضهم مضافا ، أى فى حكم السبت وهو يوم ، أو مصدر أو الخطاب فى منكم وعلمتم لمن فى زمانه صلى الله عليه وسلم من بنى إسرائيل ، وهم عارفون بقوم مسخوا فى زمان داود ، ولا يشترط العلم بالكنه فى لفظ المعرفة ، وقوم داود هم سبعون ألفا ، فى أرض أيلة ، بفتح الهمزة وإسكان الياء ، قرية على الساحل بين المدينة والطور ، صنف أمسك ونهى ، وصنف أمسك ولم ينه ، وصنف اصطاد ، وهم اثنا عشر ألفا ، شرعوا حياضاً ينزل الحوت فيها ، ولا يقدر ، على الخروج . ويصطادون ما فيها يوم الأحد ، فعلوا ذلك زماناً ، فقالوا ، قد أحل السبت ، فكانوا يصطادون فيه جهراً ، ويبيعون فى الأسواق ، وقد نهى الله عن الاصطياد فى اليوم الذى بعد يوم الجمعة ، أمروا بالتجرد للعبادة فى يوم ، فاختار موسى الجمعة ، وقيل ، أمروا بذلك ، وخالفوه للسبت ، لأنه يوم تم فيه الخلق ، فألزمهم الله إياه ، والسبت فى الأصل السبوت ، وهو الراحة ، أو من السبت وهو القطع ، قطع الله فيه الخلق وتم ، وأيضاً أمر الله اليهود بقطع الأشغال فيه ، والتفرغ للعبادة ، ولا يبعد تسميته بالسبت فى زمان موسى عليه السلام لذلك ، ولو كان تبديل أسماء الأسبوع بما هى عليه الآن واقعاً من العرب بعد عيسى عليه السلام ﴿ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةٍ خَسِئِينَ ﴾ أذلاء خاضعين ، ونجا الناهون ، والساكتون على الأصح ، لأن الساكتين أنكروا بقلوبهم فقط ، لوجود من أدى فرض النهى ، وأما الممسوخون خنازير فأصحاب المائدة ، وقيل ، مسخت شبانهم قردة ، وشيوخهم خنازير ، إلا أنه لم يذكر هنا الخنازير ، فهو يتعاوون كالقردة بأذناب كأذنابها ، ويعرفون قرابتهم ، ويحتكون إليهم ، عاشوا ثلاثة أيام ، وقيل سبعة ، وقيل ثمانية وماتوا ولم يأكلوا ولم يشربوا فى الأيام الثلاثة ، وقد كان قبلهم القردة والخنازير ، والممسوخ لانسل له ، كما روى عنه صلى الله عليه وسلم ، ولأمر للتسخير ، إذ لا طاقة لهم أن يتحولوا قردة ، ولا يؤمر بما لا يطاق ، ولكنه مجاز عن تكوينهم قردة أو تمثيل بأمر من يطاع فوراً ، فهو أمر إيجاد لا أمر إيجاب ، كقوله تعالى ﴿ كن فيكون ﴾ وجمع السلامة لكونهم عقلاء قبل المسخ ، بل وبعده ، فإنهم يعرفون قرابتهم ، ويحتكون إليهم ، فيقولون لهم : ألم ننهكم فيجيبون برءوسهم ، بلى ، وتدمع عيونهم بكاء ، وإنما بدلت الصورة لا العقل إلى ما قيل ، الجمع بذلك تشبيه بالعقلاء ، وهم بعد المسخ مكلفون عند مجاهد ، وقيل لا .
﴿ فَجَعَلْنَهَا ﴾ أى المسخة المعلومة ، أو للعقوبة أو اللقربة ، أو كينونتهم قردة ﴿ نَكَلاً ﴾ ردعا ومنعاً عن أن يصطاد مثلهم يوم السبت الحوت ، وعن أن يخالف أمر الله مطلقاً ولو بغير الصيد ، أو نكالاً اسم للجام الحديد أو للقيد شبه العقوبة به فى المنع ﴿ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ فى زمانها من الناس ، وذكرهم بما إشارة للأنواع من الناس ، أو ما عبارة عن القرى الحاضرة لها ، والمراد أهلها ، وكذا فى قوله ﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ من الناس إلى يوم القيامة ، والآية مقوية لتفسير خلفهم فى الآيات غير هذه بما بعد ، لأن هذه لا يصلح فيها من مضى ، إذ لا تكون المسخة نكالا لمن مات قبلها ﴿ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ منهم أو من غيرهم ، وقيل : من هذه الأمة عن أن يقصروا ولغيرهم ، وخصهم لأنهم المنتفعون ، أو لأن المراد بالموعظة حصول أثرها ، كقوله تعالى ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر ﴾ أى يحصل أثر إنذارك ، قلت ، قوله : فجعلناها نكالا . . . إلخ رد لقول مجاهد ، أنهم لم يمسخوا صورة ولكن قلوباً ، ومثلوا بقردة إذ تحويل قلوبهم لا يظهر لكل أحد حتى يكون رادعاً وموعظة ، ولو ظهر لم يتبين فبحه لجمهور الناس ، بخلاف مسخ صورهم فإنه يظهر قبحها للموحد والمشرك والمطيع والعاصى .
افتحه في القارئ · صفحة ٧٢