خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰۤ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةࣱۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِیمࣱ٧
الرسم الإملائيّ
خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
الجزء ١الربع ١ صفحة ٣
تفسيرها
﴿ خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ ﴾ قيل : الختم التغطية ، لأنَّ في الاستيثاق من الشيء يضرب الخاتم عليه تغطية له لئلا يطلَّع عليه . وقال ابن عباس : << طبع الله على قلوبهم ، فلا يعقلون الخير >> يعني أن الله طبع عليها فجعلها حيث لا يخرج منها ما فيها من الكفر ، ولا يدخلها ما ليس فيها من الإيمان ، وحاصل الختم والطبع والرَّين والحجابِ والعمى والغطاء خلق الظلمة والضيق في صدر العبد عندنا ، فلا يؤمن ما دامت تلك الظلمة في قلبه . وقال بعضهم : إن إسناد الختم إلى الله تعالى مجاز ، والخاتم في الحقيقة الكافر ، إلا أنه تعالى لمَّا كان هو قدَّره ومكَّنه أسند إليه الختـم .
﴿ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾ البصر : نور العين ، وهو ما يبصر به الرائي ، كما أن البصيرة نور القلب ، وهو ما به يستبصر ويتأمَّل ؛ وكأنَّهما جوهران لطيفان خلقهما الله تعالى ، فيهما آلتين للإبصار والاستبصار . والغشاوة : الغطاء والأسماع داخلة في الختم ، لا في حكم التغشية . قال أبو المنصور : << الكافرُ لمـَّا لم يسمع قول الحقَّ ، ولم ينظر في نفسه وغيره من المخلوقات ، ليرى آثار الحدث ، فيعلم أن لا بدَّ له من صانع ، جُعل كأنَّ على بصره وسمعه غشاوة ، وإن لم يكن ذلـك حقيقة >> . والغشاوة فِعَالَة من ’’غشاه‘‘ ، إذا غطَّاه .
﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ ومعنى التنكير أنَّ على أبصارهم نوعا من التغطية غير ما يتعارفه الناس ، وهو غطاء التعامي عن آيات الله ، ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم من العذاب ، لا يعـلم كنـهه إلا الله ، والفرق بين العظيم والكبير أنَّ العظيم يقابل الحقير ، والكبير يقابل الصغير . والعذاب قيل ما يمنع الإنسان عن مراده ، كأنَّهم مُنعوا عن مرادهم الحقيقي ، إلا أنهم لم يعلموا به ، ولذلك قال : (وَمَا يَشْعُرُونَ ) ، ( لعلَّهُ ) لأنَّهم تركوا التفكُّر عن حقيقة مـآلهم فصاروا معذَّبين في الدنيا والآخرة في المعنى ، لأنَّ مـا بـهم من دنياهم ليس بثابت ، فليس بشيء في الحقيقة ؛ والمؤمنون يضدِّ ذلك ، فهم منعَّمون في الدنيا والآخرة ما ينالهم من المكروهات في الدنيا ليس بباقٍ ، ولهم الثواب عليـه .
افتحه في القارئ · صفحة ١٤
قوله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ فهؤلاء الذين يلقون الله بكفرهم ، لأنهم اختاروا العمى على الهدى . ﴿ خَتَمَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ [ يعني طبع ، فهم لا يفقهون الهدى ] ﴿ [ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ﴾ فلا يسمعونه ﴿ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾ فلا بيصرونه ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ] ﴾ بفعلهم الكفرَ الذي استحبوه واختاروه على الإِيمان ، فهؤلاء أهل الشرك .
افتحه في القارئ · صفحة ١٤
﴿ خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ لم يوفقهم ، سمى القلب قلباً لتقلبه ، روى البيهقى عن أبى عبيدة بن الجراح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قلب ابن آدم مثل العصفور ، يتقلب فى اليوم سبع مرات ، وليس المعنى فى الآية الإجبار ، جل الله شبه الخذلان بالربط أو الإعلاق على شىء حتى لا يدخله غيره ، فقلوبهم من حيث عدم نفوذ الحق إليها واستقراره فيها كالخابية والخريطة المختوم عليهما ، وهذا تصوير للمعقول بصورة المحسوس للإيضاح ، وكذا الختم فى قوله ﴿ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ﴾ أي آلات سمعهم ، فلذلك لا ينتفعون بما سمعوا من الحق ، قال صلى الله عليه وسلم : إذا أذنب العبد ضم من قلبه هكذا ، فضم خنصره ، وإذا أذنب ضم من قلبه هكذا ، وضم التى تليها ، وهكذا إلى الإبهام . والمراد بالقلوب هنا الجسم اللطيف القائم بالقلب ، الكثيف الصنوبرى الشكل قيام العرض بالجسم ، وقيام الحرارة فى الوقود ، والبرودة بالماء ، وبهذا اللطيف يحصل الإدراك وترتسم المعرفة ، وكذا الأسماع يقوم بصماخها جسم لطيف يدرك الأصوات ، ﴿ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾ غطاء عظيم ، كأنه لا يرون بها ، فيستدلون بما يرون على قدرة الله ، لما لم ينتفعوا فى الدين بالنظر بها كانوا كمن جعل على بصره غشاوة ، وفى ختم استعارة تصريحية تبعية . وفى غشاوة تصريحية أصلية ، أو الاستعارة تمثيلية ، شبه قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأحوالهم المانعة من الانتفاع بأشياء معدة للانتفاع ، منع مانع من الانتفاع بها ﴿ وَلَهُمْ ﴾ على كفرهم ﴿ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ عظم شدة وأنواع ودوام ، ولم يعطف إن الذين كفروا لأن المراد ، والله أعلم ، استئناف بيان أن عدم اهتداء الأشقياء لسبق شقوتهم وبيان مقابلتهم بإصرارهم لمن اتصف بالكمال ومضاتدتهم ، لا لقصور فى القرآن عن البيان ، فإنه غاية فى البيان ، وإنما ضلوا باختيارهم للسوء ، كما قال قائل :
وَالنَّجْمُ تَسْتَصْغِرُ الأَبْصَارُ رَؤْيَتَهُ … وَالذَّنْبُ لِلطَّرْفِ لاَ لِلنَّجْمِ فِي الصِّغَرِ
افتحه في القارئ · صفحة ١٤