سورة البقرة · الآية ٨٣ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِیثَٰقَ بَنِیۤ إِسۡرَٰۤءِیلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَیۡنِ إِحۡسَانࣰا وَذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِینِ وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسۡنࣰا وَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّیۡتُمۡ إِلَّا قَلِیلࣰا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ٨٣
الرسم الإملائيّ

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ

الجزء ١الربع ٥ صفحة ١٢

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 83]

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ ﴾ الميثاق : العهد المؤكد غاية التوكيد . ﴿ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ ولا تشركون به شيئا من طاعة الشيطان ولا غيره ، ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ أي أحسنوا بهما ، ﴿ وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾ قيل : الحقَّ ، وقيل : حسن الخلق ، وقيل : قولوا للناس حسنا ما تحبون أن يُقال لكم . ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ عن الميثاق ورفضتموه ، ﴿ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ ﴾ إلاَّ الأقلَّ أقاموا بما عليهم ، ﴿ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ عن الوفاء بما يجب عليكم .

افتحه في القارئ · صفحة ٩٠

[سورة البقرة — آية 83]

﴿ وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ . قال بعض المفسّرين : قالت اليهود : لن يدخلنا الله النار إلا تحلّة القسم ، عدد الأيَّام التي عبدنا فيها العجل ، فإذا انقضت عنا تلك الأيام انقطع عنا العذاب والشر .

قال الله للنبي عليه السلام : ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله ِمَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ . أي : إنكم لم تتخذوا عند الله عهداً وإنكم لتقولون على الله ما لا تعلمون .

وقوله : ﴿ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً ﴾ ، يعني التوحيد وهو مثل قوله : ﴿ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [ سورة ن : 39 ] . وتفسير ذلك في سورة ن .

ذكروا عن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « خمس صلوات كتبهن الله على عباده ، من جاء بهن تامة فإن له عند الله عهداً أن يدخله الجنة . وإن لم يجىء بهن تامة فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء رحمه » .

وتفسير مجاهد : ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً ﴾ أي : موثقاً بأنه كما تقولون : ﴿ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ .

وقال الكلبي : إن اليهود زعمت أنهم يعذَّبون أربعين يوماً عدد أيام العجل الذي عبدوه فيها . فقال الله : ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ ﴾ . قال : فإذا أدخلهم الله النار عذّبهم عدد تلك الأيام لكل يوم سنة ، فتلك أربعون سنة ، ثم يُقال لهم : يا أعداء الله ، هذه الأيام قد مضت والأجل الذي قلتم وبقي الأبد ، لا تخرجون منها أبداً؛ فعند ذلك انقطع الرجاء ، وأيقنوا بالخلود في النار ، وقيل لهم :

بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا الله وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)

﴿ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ يعني الشرك ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ ثم مات ولم يتب منه ﴿ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ . ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ . أي لا يموتون ولا يخرجون منها أبد الأبد .

عن الحسن قال : بلى من كسب سيئة ، سيئة الشرك . وأما قوله : ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً ﴾ ، إِنْ شاء عذَبه وإن شاء غفر له .

قوله : ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾ قال الحسن : تأمرونهم بما أمرهم الله به ، وتنهونهم عما نهاهم الله عنه . قال : قال لهم نبيهم أمروهم أن يقولوا إن محمداً رسول الله .

قوله : ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أي كفرتم وجحدتم ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ ﴾ القليل الذين اتبعوا النبي . ﴿ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ ﴾ عما جاءَ به النبي جاحدون له .

افتحه في القارئ · صفحة ٩٠

[سورة البقرة — آية 83]

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَاءِيلَ لاَ تَعْبُدُون : َ إِلاَّ اللهَ ﴾ إما مفعول لأخذنا لتضمنه معنى قلنا ، واللفظ نفى ، والمعنى نهى ، وحكمته الحث على المسارعة للامتثال ، حكى أنه قد امتثل فأخبر عنه ، وصونا للكلام عن الكذب إن كان بصيغة الإخبار فلم يمتثل فلا حاجة إلى تقدير قلنا ، ووجه ذلك ، أن أمر الله عز وجل بشىء أو نهيه عنه أخذ للميثاق ، ولو لم يقل المأمور والمنهى نعم ، وإما جواب للقسم الذى هو الميثاق ، ومقتضى الظاهر على هذا لا يعبدون بالتحتية ، وإما تفسير لأخذ الميثاق ، وهكذا فيما يأتى من القرآن تتصور فيه هذه الأوجه ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَناً ﴾ أى أحسنوا ، أو تحسنون بالوالدين إحساناً أى أحسنوا ، أو استواصوا بالوالدين ، أى بالوالد والوالدة ، فغلب المذكر ، ويبعد تفسير الميثاق هنا بميثاق ألست بربكم ، والآية مفصحة بعظم الإحسان إلى الوالدين ، إذ قرن بطاعة الله تعالى ﴿ وَذِى الْقُرْبَى ﴾ القرابة كالرجعى بمعنى الرجوع ﴿ وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ ﴾ أحسنوا إلا هؤلاء بالمال والخدمة والنفع بالجاه والبدن والرفق وتعليم العلم ، والأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، وهم على ذلك الترتيب ، فالله أحق ، لأنه الخالق المنعم ، وحقه أعظم من كل حق ، ثم الوالدان لأنهما سبب وجود الولد ، ومتلقيان المشاق فى الولد ، ثم ذو القربى ، لأنه بواسطتهما ، والرضاع لُحمه كالحمة النسب ، ثم اليتيم لأنه أصعف لصغره من المسكين ، مأخوذ من اليتيم بمعنى الانفراد ، كدرة يتيمة ، وهو من بنى آدم من مات أبوه قبل بلوغه ، ولا يتم بعد بلوغ ، ومن الدواب من ماتت أمه ، وفى الطير من ماتا عنه ، وقد يطلق على من ماتت أمه من الآدميين ، وأفرد الغريب لأن القربى مصدر يصلح للأكثر ، فتبعه المضاف ، وهو ذى ، والإشارة إلى أنهم كواحد ولو كثروا فلا تقصروا فى حقهم ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾ بضم فإسكان ، أى حسنا بفتحهما ، أو ذا حسن ، وهو الأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، وتعليم الجاهل ، والصدق فى شأن محمد صلى الله عليه وسلم ، والقرآن ، والدعاء إلى التوحيد ، والرفق بهم بما يحبونه مما لا معصية فيه ليذعنوا ، وليس مما ينسخ ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ ﴾ المفروضة عليكم فى التوراة ﴿ وَءَاتُواْ الزَّكَوةَ ﴾ على ما فرض عليكم فيها ، وهو ربع المال ، تنزل النار فتحرقه ، أو تأخذه ، أو شىء كالنار ، وذلك علامة قبوله ، ولا تحرق الحيوان ، وهذا خطاب لأوائلهم المأخوذ عليهم الميثاق ومن بعدهم ، والكلام فى ذلك لا فى المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن معاصريه تجب عليهم الصلاة والزكاة على ما فرض عليه صلى الله عليه وسلم ، أمرناكم بما ذكر من إفراد الله بالعبادة ، وما بعده إلى إيتاء الزكاة ، وقبلتم ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ عن الوفاء ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ ﴾ وهو من اتبع التوراة والإنجيل قبل البعثة كعبد الله بن سلام ﴿ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ عن الوفاء . والآية كقوله ﴿ ولى مدبرا ﴾ وقيل ، التولى الانصراف لحاجة مع ثبوت العقد ، والإعراض الانصراف بالقلب ، وقيل التولى الرجوع إلى ما كان أولا ، والإعراض أخذ طريق آخر ، والخطاب لمن قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأجيز أن يكون الخطاب بقوله « وأنتم معرضون » لمعاصريه ، أو المعنى معرضون عن الفكر فلا تأكيد ، أى وأنتم معرضون عن الوفاء بعهد التوراة ، والإنجيل قبل البعثة وقد وجب عليكم اتباعهما .

وعن الوفاء بالقرآن بعد البعثة ، وقد وجب عليكم اتباعه بعدها ويضعف أن يقال ، معرضون عن الغضب على المتولين ، أو عن القليل الذين لم يتولوا ، بأن لم توالوهم وتحبوهم ، والأولى أن الخطاب للآباء ، لأن ما قبله وما بعده لهم ، باعتبار آبائهم ، وهو قوله :

﴿ وَإِذْْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ ﴾ أى اذكروا وقت أخذ العهد على آبائكم ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ ﴾ أى لا يقتل بعضكم بعضاً ، أو لا تقتلوا أمثالكم . وجاءت العبارة بذلك ، لأنهم كنفس واحدة ، نسبا ودينا ، فمن قتل غيره كأنه قتل نفسه ، وأيضاً هو كمثل قتل نفسه بالقصاص لأنه تعرض لأن يقتص منه ، وكذا فيما أشبه هذا ﴿ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ﴾ لا يخرج بعضكم أنفس بعض ، أو من أخرج أخاه كمن أخرج نفسه ، لأنهم إخوة دينا ونسبا ، أو لا تفعلون ما يوجب سفك دمائكم ، وإخوانكم من دياركم ، أو لا تهلكون أنفسكم بالمعاصى ، كمن قتل نفسه ، بحيث لا يلتذ ، كميت ، إذ كان لا ينال لذات الجنة ، ولا تصرفونها عن دياركم فى الجنة ﴿ ثُمَّ أََقْرَرْتُمْ ﴾ اعتزمتم بأن ذلك الميثاق حق ، فقبلتموه ، ومن لازم ما يقربه أنه حق أن يقبل ، وثم لترتيب الأخبار باتصال ، أو فى الرتبة بالتراخى لأن رتبة الإقرار أقوى ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ على أنفسكم ، تأكيد لأقررتم فى المعنى ، أو أقررتم قبلتم وأنتم تشهدون على القبول ، أو أنتم معشر المعاصرين له صلى الله عليه وسمل تشهدون على إقرار أسلافكم لتوسط الأنبياء والرواة إليكم بينكم وبينهم ، وضعف بأن يكون حينئذ استبعاد الإجلاء والقتل منهم مع أن أخذ العهد والميثاق كان من أسلافهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٩٠