سورة البقرة · الآية ٩٧ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
قُلۡ مَن كَانَ عَدُوࣰّا لِّجِبۡرِیلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ وَهُدࣰى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِینَ٩٧
الرسم الإملائيّ

قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ

الجزء ١الربع ٦ صفحة ١٥

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 97]

﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ ﴾ فإنَّ جبريل نزَّل القرآن على قلب محمد  ؛ وخص القلب لأنه محلُّ الحفظ ، ولو أنصفوا لأحبُّوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم . ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٠٤

[سورة البقرة — آية 97]

قوله : ﴿ قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله ﴾ قال الحسن : إن اليهود قالوا : إن جبريل لا يأتينا إلا بالشتم والذمّ ، وإنما يفعل ذلك لعداوة بيننا وبينه ، وميكائيل ليِّن؛ فعادَوا جبريلَ . فأنزل الله : ﴿ قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ ﴾ . أي نزّل القرآن الذي فيه شتم اليهود وعيبهم بإذن الله ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أي من كتب الله المتقدّمة .

وقال بعضهم : إن اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : من صاحبك الذي يأتيك بالوحي؟ فقال : « جبريل » فقالت : ذلك عدوّنا من الملائكة ، وإنه ينزل بالعذاب والنقمة ، وإن ميكائيل ينزل باللّين والرحمة ، أو كما قالوا .

وقال بعضهم : فإنه نزله على قلبك ، أي نَزَّل القرآنَ على قلبك .

قال : وذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى نفراً من اليهود . فلما أبصروه رحّبوا به ، فقال : أما والله ما جئتكم لحبّكم ، ولا لرغبة فيكم ، ولكن جئت لأسمع منكم . فسألهم وسألوه . فقالوا له : من صاحب صاحبكم؟ فقال : جبريل . قالوا : ذاك عدونا من أهل السماء ، يطلع محمداً على سرنا ، وهو إذا جاء جاء بالحرب والسنة . وكان صاحب صاحبنا ميكائيل ، وكان إذا جاء جاء بالسلام وبالخصب . فقال لهم عمر : أفتعرفون جبريل وتنكرون محمداً . ففارقهم عند ذلك ، وتوجه نحو النبي عليه السلام ليحدثه حديثهم فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية : ﴿ قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ . . . ﴾ إلى أخر الآية .

وقال بعضهم : جادلهم عمر حين قالوا إن جبريل عدوّنا من الملائكة وميكائيل وليُّنا . فقال لهم : حدثوني عن وليّكم من الملائكة ، هل يتولّى عدوّكم من الملائكة . فإن كان يتولى وليُّكم من الملائكة عدوَّكم من الملائكة فلِمَ عاديتم من يتولاه وليّكم؟ فمن عادى جبريل فهو عدو الله والملائكة والمؤمنين . فأنزل الله مصداق عمر :

﴿ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ﴾ قال الكلبي : إنَّ اليهود قالت : إِنَّ جبريل عدوٌّ لنا . فلو أنَّ محمداً يزعم أنَّ ميكائيل هو الذي يأتيه صدَّقناه . وإن جبريل عدوٌّ لميكائيل؛ فقال عمر : فإني أشهد أن من كان عدوّاً لجبريل فإنه عدوٌّ لميكائيل؛ فأنزل الله هذه الآية .

افتحه في القارئ · صفحة ١٠٤

[سورة البقرة — آية 97]

﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ ﴾ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو لمن يصلح ، وكذا فى جميع القرآن بحسب الإمكان ، والأول أولى ، والهاء لليهود المخاطبين ، ويلتحق بهم اليهود الباقون وقيل للجنس ﴿ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوةٍ ﴾ نوع من الحياة ، وهو المتطاولة لقوله تعالى : ﴿ يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ﴾ والآية تدل أن لغيرهم أيضاً حرصاً على الحياة الطويلة إلا أنهم أحرص ، لأن أحرص اسم تفضيل ، فإن الحرص على الحياة فى طباع المؤمن وغيره ، وفى الحديث القدسى : « إن المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته » وأيضاً ، قد يحرص المؤمن على الحياة ليكثر العبادة ، إلا أنه ليس ذلك منه مذموما ، وقد يحمل الحديث عليه ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ المجوس وعبدة الأصنام من العرب وكانت المجوس يقولون للعاطس ، أحرص الناس من الناس ، أى من سائرهم ، أو يقدر أحرص من الذين اشركوا ، أو يقدر ، ومن الذين أشركوا أناس يود أحدهم ، وعلى الوجهين الأولين يكون يود . . . إلخ مستأنفا ، أو حالا من الذين ، أو واو أشركوا ، أو من الهاء ، وذكرهم مع دخولهم فى الناس زيادة فى التوبيخ لهم ، بأنهم مع إقرارهم بالبعث والحساب أشد حرصاً ممن يعبد الصنم وينكر البعث ، وبين حرص اليهود بقوله ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ ﴾ أى أحد اليهود ، ليس واحدا خاصا ، ولكن تمثيل بالواحد ، كأنه معين مخصوص مشاهد ﴿ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ أى يود تعميره ألف سنة ، والنصب على الظرفية ، أو لو حرف تمنّ ، محكياً مع ما بعده بيود ، لتضمين معنى القول ، أو لو شرطية ، جوابها لسرَّه ذلك ، والألف هى تمثيل للكثرة ، لا خصوص هذا العدد ، أو بيّن حرصهم بقوله : « ومن الذين أشركوا » إلخ ، على أن يراد بالذين أشركوا اليهود تصريحاً بشركهم ، وجاء الظاره فى موضع الضمير لذلك على معنى ، ومن المشركين ناس يود . . إلخ ، فيود . . . إلخ نعت لمبتدأ محذوف على هذا ﴿ وَمَا هُوَ ﴾ أى أحدهم ﴿ بِمُزَحْزِحِهِ ﴾ مبعده ، خبر ما والياء صلة أصله زحح ، أبدلت الحاء المدغم فيها من جنس الفاء بوزن فعل بشد العين ، وقيل : كررت الفاء ، فوزنه فعقل ﴿ مِنَ ﴾ أى من ﴿ الْعَذَابِ ﴾ بالنار وغيرها من حين يموت إلى ما ينتهى ﴿ أَنْ يُعَمَّرَ ﴾ تعميره ألف سنة ، فاعل مزحزح ، كقولك ما زيد قائماً أبوه ﴿ وَاللهُ بَصِيرٌ ﴾ عليم ﴿ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ كله ، يعذبهم على كل صغير وكبير .

قال عبدالله بن صوريا ، حبر من اليهود ، للنبى صلى الله عليه وسلم : أىّ ملك يأتيك من السماء؟ قال : جبريل ، قال : هو عدونا ، ينزل بالعذاب ، والشدة والخسف ، عادانا مراراً ، لو كان ميكائيل لآمنا بك .

وقيل : سأل عبدالله بن صوريا عمر : من يأتى محمداً من السماء؟ فقال : جبريل ، فقال : هو عدونا . . . إلخ ، وقيل : كان لعمر أرض بأَعلى المدينة ، ويمر على اليهود فى مدارسهم ، ويجلس إليهم ويسأَلهم ويسمع كلامهم ، فقالوا : ما فى أصحاب محمد أحب إلينا منك ، وإنا نطمع فيك ، فقال : والله ما آتيكم لحبى لكم ، ولا لأنى شاك فى دينى ، بل لأزداد بصيرة فى أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وأرى أثره فى كتابكم ، فقالوا : من يأتيه من السماء؟ قال : جبريل ، قالوا : هو عدونا ، يطلع محمداً على سرنا ، وهو صاحب عذاب وخسف وشدة ، وأن ميكائيل يأتى بالخصب والسلامة ، ولو كان يأتيه هو لآمنا ، وأن محمداً رسول الله ، وأن بين جبريل وميكائيل عداوة .

وقال عمر : أشهد أنهم سلم ، ومع الله سلم ، ومن عادى جبريل فهو حرب لله ولميكائيل ، ولأنتم أكفر من الحمير ، أى أجهل .

وقيل : سأَلهم عمر عن جبريل ، فقالوا : يأتى بالشر ، ولو كان يأتى محمداً ميكائيل لآمنا به ، وعن عبدالله بن صوريا عادانا مراراً ، أشدها أن نبينا بعث من يقتل بخثت نصر ، وهو طفل ، لأنه يخرب من بيت المقدس ، فرده ، فقال : إن قضى الله خرابه لم تقتلوه ، وإلا فلم تقتلونه ، فرجع ، فكبر بخت نصر ، فخربه وعلى كل حال نزل فى ذلك قوله تعالى :

﴿ قُلْ ﴾ لهم ﴿ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ ﴾ الخ ، وجبريل علم عجمى ، وزعم بعضهم أنه علم عربى مركب من جبروت الله ، وفيه : أنه لو كان كذلك لورد فيه وجهان آخران : البناء وإضافة الجزء الأول للثانى ، كنظائره ، قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضى الله عنه ، وقد سبقه الوحى : لقد وافقتك ربك يا عمر ، قال عمر : لقد كنت بعد ذلك أصلب من الحديد ، والمعنى : مَن كان عدوّاً لجبريل لمجيئه بالعذاب والقرآن الفاضح لهم فهو عدو لله ، لأنه هو الذى أرسله ، أو فليمت غيظاً ، أو فلا وجه لعداوته وجه ، أنه نزله على قلبك ، كقولك : إن عاداك فقد آذيته أمس ، وناب عن الجواب علته ، وهو قوله ﴿ فَإِنَّهُ ﴾ أى ، لأن جبريل أو الشأن أو الله ، لأنه ﴿ نَزَّلَهُ ﴾ أى القرآن المستتر فى نزل لجبريل ، أو الله عز وجل ﴿ عَلَى قَلْبِكَ ﴾ مقتضى الظاهر على قلبى ، لقوله قل ، لكن قال : على قلبك ، لأن المعنى قل ذلك ، لأنه نزل على قلبك ، وقيل : التقدير ، قال الله : من كان . . . إلخ ، ولم يقل علىَّ أو عليك ، تصريحاً بالقلب الذى هو محل النزول ، وبيت لوحى الله ، والفهم والحفظ ، ولا يجوز أن يكون فإنه . . . إلخ تعليل لما قبله ، ويقدر الجوبا ، فليمت غيظاً ، أو فالله عدوه ، لأن فاء التعليل عاطفة على جملة ، ولا يصح العطف على كان عدوّاً لجبريل ، ولو صح معنى قولك لأنه نزله . . . إلخ ﴿ بِإِذْنِ اللهِ ﴾ بأمره ، فى صورة القول وتيسيره فى صورة الفعل ، وأصل الإذن الإباحة والعلاقة اللزوم ﴿ مُصَدِّقاً ﴾ حال من هاء نزله العائدة إلى جبريل أو إلى القرآن ، أو من ضمير نزل ﴿ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ من كتب الله ، والتوراة وغيرها ، والموجود هو ما بين اليدين ، وأما ما سيوجد فهو مفقود ، لا يصح أنه موجود بين اليدين ، ويصح بمعنى أنه مستقبل ﴿ وَهُدًى ﴾ من الوقوف لعدم العلم ، ومن العمل بغير علم ، وكذا فى غير هذا المحل ﴿ وَبُشْرَى ﴾ بالجنة ، ذا هدى وتبشير ، أو هادياً ومبشراً ، أو مبالغة ﴿ لِلْمُؤمِنِينَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٠٤