سورة طه · الآية ٣٨ من ١٣٥

‹ السورة السابقة
إِذۡ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰۤ أُمِّكَ مَا یُوحَىٰۤ٣٨
الرسم الإملائيّ

إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى

الجزء ١٦الربع ١٢٥ صفحة ٣١٤

تفسيرها

[سورة طه — آية 38]

﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ﴾ بإلهام ، أو في منام ، أو على لسان نبي في وقتها ، أو ملك لا على وجه النبوة ، ﴿ مَا يُوحَى﴾ ما﴿لا﴾ يعلم إلا بالوحي ، أو مما ينبغي أن يوحى ولا يترك لعظم شأنه لما فيه من الحكمة ، وأنه كائن لا محالة. ﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ القذف: يقال(لعله) للإلقاء . ﴿ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ لما كان إلقاء البحر إياه على الساحل أمرا واجب الحصول – لتعلق الإرادة به – جعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع أمره بذلك ، وأخرج الجواب مخرج الأمر ، والأولى أن يجعل الضمائر كلها لموسى مراعاة للنظم ، والمقذوف في البحر ، والملقى إلى الساحل ، وإن كان التابوت بالذات ، فموسى بالعرض . ﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾ قيل: إنها جعلت في التابوت قطنا ، ووضعته فيه ، ثم قيرته ، وألقته في اليم خفية من فرعون وآله ، وكان يشرع إلى بستان فرعون نهر ، فرفعه الماء إليه ، فأداه إلى بركة في البستان ، وكان فرعون جالسا على رأسها مع امرأته آسية بنت مزاحم ، فأمر به ، فأخرج ، ففتح ، فإذا فيه صبي أصبح الناس وجها ، فأحبه حبا شديدا ، كما قال:

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣٨٦

[سورة طه — آية 38]

قوله عز وجل : ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى ﴾ فذكره النعمة الأولى ، يعني قوله : ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى ﴾ وإنما هو شيء قذف به في قلبها ألهمته ، وليس بوحي نبوة . ﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ ﴾ أي اجعليه في التابوت ﴿ فَاقْذِفِيهِ فِي اليَمِّ ﴾ أي : فألقيه في البحر . فألقى التابوت في البحر .

﴿ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ ﴾ أي البحر ﴿ بِالسَّاحِلِ يَأخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ﴾ يعني فرعون . ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾ . قال بعضهم : ألقى الله عليه محبّة منه ، قال : فأحبوه حين رأوه .

قوله عز وجل : ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ أي بأمري . وقال بعضهم : [ ولتغذى على عيني : أي بعيني ] .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣٨٦

[سورة طه — آية 38]

﴿ ولَقَد مننَّا عليْكَ مرةً أخْرى ﴾ غير هذه المرة قبل ان تدعونى ، وكيف لا أجيبك فى هذه المرة ، وقد دعوتنى ، وذكر المرة الأخرى فى قوله :

﴿ إِذ أوْحَينا إلى أمك ما يُوحَى ﴾ الخ وأصل المرة المرور الموحد ، ثم أطلق عل ىكل فعلة واحدة ، ثم شاع فى كل فرد مما له أفراد ، واستعمل فى الزمان ، والمراد هنا الزمان الممتد قدر ما يقع فيه خارجا ما ذكر الله عز وجل من الإيحاء الى أم موسى الخ ، وأخرى مؤنث آخر بفتح الخاء ، بمعنى مغاير ، وإذ متعلق بمننا بلا واسطة إبدال من مرة ، أو بواسطته ، والإيحاء الى أم موسى إلهام عند الجمهور كقوله عز وجل : ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ ولا يرده قوله تعالى : ﴿ إنا رادُّوه إليك ﴾ الخ إذ لا نسلم أن الإخبار بالرد ، ويجعله من المرسلين مختص بالوحى ، لجواز أن يكون إلهاماً مع مشاهدتها منه ما يدل عل الرد ، والجعل كما سمى عبد المطلب ابن ابنه محمداً صلى الله عليه وسلم ، وقال : رجوت له أن يحمد فى السماء والأرض ، لما رأيت فيه من تعاطى خصال الشرف .

ويمكن أن يكون بعث الله إليها ملكاً كما أرسله الى مريم عليها السلام ، لا على طريق الوحى بالشرع الى الأنبياء ، بلا إشكال لأن الوحى تارة وحتى شرع الى الأنبياء ، وتارة غيرة ، وقيل الوحى فى الآية الإرادة فى النوم ، وقيل وحى على لسان نبى فى زمانها وهو شعيب ، لو كان فى مدين لا فى الشام ، كقوله تعالى : ﴿ وإذ أوحيث الى الحواريين ﴾ فإنه وحى إلى عيسى عليه السلام ، واسمها يحانذر أو محيانة بنت يصهر ابن لاوى ، أو بارخا أو بازخت ، المراد بما يوحى القذف فى اليم ، أو ما ينبغى أن يوحى ، ولا يهمل كما يقال هذا مما يكتب ، أو أوحينا ما لا يعلم إلا بالوحى ، والأول أولى .

لكن لو كان كذلك لقال : ما أوحينا كما قال : ﴿ فأوحى الى عبده ما أوحى ﴾ وكما قال : ﴿ فغشيهم من اليم ما غشيهم ﴾ وعلى هذا يكون المعنى الثانى أولى ، ولو كان الأول أنسب بالمعانى السابقة المرادة بالإيحاء ، إذ بالوحى إليها إجمالا فتتهيأ نفسه الى الاستعداد لفهمه ، ثم فصله تفصيلا يجد أنفساً متهيئة فيقر فيها ، وفسر الوحى بقوله :

﴿ أن اقْذِفيه ﴾ ضعيه بلين ﴿ فى التَّابوت ﴾ فرشاً فرشته بقطن محلوج ، أو نطع وكان من خشب ، أو برد صنعه مؤمن آل فرعون ، وقصصته وقيرته ﴿ فاقذفيه ﴾ أى ضعى التابوت وفيه موسى بلين ﴿ فى اليمّ ﴾ البحر ولا داعى الى جعل هذا القذف الثانى قذفا بعنف ، ويجوز أن يكون القذفان بعنف على معنى العجلة فيهما ، واليم البحر مطلقاً ، وقيل العذب ، وقيل النيل خاصة ، وهو مردود ، ولا يجمع لفظ اليم .

﴿ فلْيُلقِه اليمُّ بالسَّاحل ﴾ جانب البحر ، أو ما يقابل الوسط ، وهو ما يلى الجانب من البحر ، حيث يجرى الماء الى نهر فرعون ، وعلى كل هو بمعنى الذى يسحله الماء آى يقشره ، فهو فاعل بمعنى مفعول أو للنسب أى ذى سحل ، لكن هذا السحل واقع عليه لا صادر منه ، فهو راجع الى معنى مفعول ، ويجوز أن يكون بمعنى فاعل على معنى يفرق الماء ، أو على معنى ينهق تشبيها لصوت الماء عليه بسحيل الحمار ، أى نهيقه ، واختير صيغة الأمر مع أن المراد الإخبار للمبالغة ، كقوله صلى الله عليه وسلم : « قوموا فالأصل لكم » وقد اعتبر معنى الأمر حتى جزم فى جوابه ، وهو قوله عز وجل :

﴿ يأخُذه عدوّ لى وعدوّ له ﴾ أو لما قضى الله عز وجل أن يلقيه اليم ، كان قضاؤه كأمر للبحر ، جعل البحر كالمتميز الممتثل للأمر ، تشبيهاً مصغراً مرموزاً إليه باللازم ، وهو الأمر فإن المميز لا يؤمر ، فإثبات الأمر تخييل ، وهاءات اقذفيه الى قوله : ﴿ وعدو له ﴾ لموسى ، ولو صلح ما قبل عدو له للتابوت ، لأن المقصود بالذات موسى ، وعليه الكلام ، وفى ذلك عدم تفكيك الضمائر ، وهو أولى ، وقيل عائدات للتابوت إلا هاء ﴿ عدو له ﴾ .

وقال بعض : إن هاء يأخذه لموسى أيضا ، وفيه أنه لا فرق بينها وبين سائر الهاءات سوى قرنه بعداوة ، كالذى قبله ، ولا يتعين عود الضمير للأقرب إذ ترجح عوده لغيره لحكمة ، ككون المراد بالذات موسى ، وأعاد العدو للمبالغة بذكر عداوتين ، إذ لم يقل عدو لى وله ، ولو قاله لصح ، وليس فيه الجمع بين الحقيقة والمجاز ، فضلا عن أن يخرج على عموم المجاز ، لأن فرعون عدو لله حين الأخذ ، وعدو لموسى أيضا إذ كان يبغض الأولاد لما علم أن ملكه يزول على يد ولد ، فلا حاجة الى ما قيل إنه عدو لله فى الحين ولموسى فى ما بعد .

﴿ وألْقيتُ علَيْك محبةً منِّى ﴾ نعت محبة ، أو متعلق بألقيت ، ولا يمنعه عمل عامل فى ضميرين لواحد ، لأن أحدهما بجار ، والمراد محبة عظيمة ، ما بالك بشىء هو من الله بإخباره أنه من الله عز وجل ، كل من رآه أحبه ، ولا يصبر عنه كحال عينيه ، ومسحة جمال عليه فى جميع أعضائه ، وقيل ذلك الحب حب الله إياه ألقاه فى القلوب إنعاماً عليه ، لا على طريق الثواب ، لأنه وليد لا عمل له إذا أحب الله عبداً ألقى حبه فى القلوب ، ولعله لما سيعمل رأى التابوت هو وزوجه من موضع مشرف على النيل ، على رأس بركة فى بستان فى الساحل ، فأمر به ففتح فإذا صبى أصبح الناس وجهاً .

وقيل إن التابوت جاء الى المشرعة التى تستقى منها جوارى فرعون ، فحطن به يحسبنه مالاً ، وطلبت أن يتخذه ولداً ، وقد أخذ جماله بمجامع قلبها وقلبه ، وقالت : إنه قرة عين لى ولك ، فقال لها : لك ولا حاجة لى فيه ، وقد أخذ حبه بقلبه إذ رآه إلا أنه كتم ذلك ، قال صلى الله عليه وسلم :

« لو قال مثلها لهداه الله به كما هداها به » كما روى عن ابن عباس وفى حضرته حين رآه أربعمائة غلام وجارية ، وقال من أخذه فهو حر ، فأخذه واحد وأعتق الكل .

﴿ ولتُصْنع على عَيْنى ﴾ عطف على المحذوف المتعلق بألقيت ، أى وألقيت عليك المحبة لتكون محبوباً عند كسل من رأك ، ولتصنع على عينى ، أو ليتعطف عليك ، ولتصنع على عينى أو متعلق بالمحذوف المعطوف على ألقيت أى فعلت ذلك الإلقاء لتصنع ، ومعنى تصنع تكرم ، أو تفعل بك الصنيعة ، وهى الإحسان ، وهو أن يربى بالحنو والشفقة والإرضاع الحسن ، وعلى عينى حال من ضمير تصنع ، ومعناه بمرأى منى ، وذلك على الاستعارة التمثيلية للحفظ والصون ، فإن المصون يراعى ويراقب ، كما يراقب الشىء بالعين ، ويحضر عنده إذا اعتنى به ، وهذا إكرام وتخصيص .

وليس المراد مطلق كونه بالله فضلا عن أن يرد أن كل أحد كذلك ، بل لو أريد هذا لقيل إنه خصت هذه العبارة بموسى ، ولو كان معناها لغيره أيضا تشريفاً ، كما خص الكعبة ببيت الله ، وكل بيت لله تعالى .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣٨٦