سورة طه · الآية ٩٩ من ١٣٥

‹ السورة السابقة
كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَیۡكَ مِنۡ أَنۢبَاۤءِ مَا قَدۡ سَبَقَۚ وَقَدۡ ءَاتَیۡنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكۡرࣰا٩٩
الرسم الإملائيّ

كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا

الجزء ١٦الربع ١٢٧ صفحة ٣١٩

تفسيرها

[سورة طه — آية 99]

﴿كَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الاقتصاص ، يعني: اقتصاص قصة موسى ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ﴾ من أخبار الأمور الماضية ، والأمم الدارجة ، تبصرة لك ، وزيادة في علمك ، وتكثيرا لمعجزاتك ، وتنبيها وتذكيرا للمستبصرين من أمتك ، ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا﴾ كتابا مشتملا على هذه الأقاصيص والأخبار ، حقيقا بالتفكير والاعتبار.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٤٤٧

[سورة طه — آية 99]

قوله عز وجل : ﴿ كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ ﴾ أي : من أخبار ما قد مضى . ﴿ وَقَدْ ءَاتَيْنَاكَ ﴾ أي : أعطيناك ﴿ مِن لَّدُنَّا ﴾ أي : من عندنا ﴿ ذِكْراً ﴾ يعني القرآن؛ ﴿ مِّن أَعْرَضَ عَنْهُ ﴾ أي عن القرآن ولم يؤمن به ﴿ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْراً ﴾ قال مجاهد : إثماً . ﴿ خَالِدِينَ فِيهِ ﴾ قال الحسن : في ثواب ذلك الوزر ، وهو النار . ﴿ وَسَآءَ لَهُمْ ﴾ أي وبئس لهم ﴿ يَوْمَ القِيَامَةِ حِمْلاً ﴾ أي : ما يحملون على ظهورهم من الوزر . وهو قوله : ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ [ الأنعام : 31 ] .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا كان يوم القيامة بعث الله مع كل امرئ عمله؛ بعث مع المؤمن عمله في أحسن صورة رآها قط ، أحسنه حسناً ، وأجمله جمالاً ، وأطيبه ريحاً . لا يرى شيئاً يخافه ، ولا شيئاً يروعه إلا قال : لا تخف وأبشر بالذي يسرّك ، لا والله ما أنت الذي يُراد ، ولا أنت الذي يُعنى . فإذا قال له ذلك مراراً قال له : من أنت ، أصلحك الله؟ والله ما رأيت أحسن منك وجهاً ، ولا أطيب منك ريحاً ، ولا أحسن منك لفظاً . فيقول له : أتعجب من حسني؟ فيقول : نعم . فيقول : إني والله عملك . إن عملك والله كان حسناً . إنك كنت تحملني في الدنيا على ثقلي . وإني والله لأحملنَّك اليوم ، فيحمله . » وإنها التي يقول : ﴿ وَيُنَجِّي الله الذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [ الزمر : 61 ] .

قال : ويبعث مع الكافر عمله في أقبح صورة رآها قط ، أقبحه قبحاً ، وأنتنه ريحاً ، وأسوأه منظراً . لا يرى شيئاً يخافه ولا يروعه إلا قال له : يا خبيث ، أبشر بالذي يسوءك . أنت والله الذي يُراد ، والذي يُعنى . فإذا قال له ذلك مراراً قال له : أعوذ بالله منك ، والله ما رأيت أحداً أسوأ منك لفظاً ، ولا أقبح منك وجهاً ، ولا أنتن منك ريحاً . فيقول له : أتعجب مني؟ فيقول : نعم ، فيقول : أنا والله عملك الخبيث ، إن عملك والله كان قبيحاً . إنك كنت تركبني في الدنيا ، وإني والله لأركبنّك اليوم . وإنها التي يقول الله : ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ [ الأنعام : 31 ] .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٤٤٧

[سورة طه — آية 99]

﴿ إنما إلهُكُم الله الذَّى لا إله ﴾ لكم ولا لغيركم ﴿ إلا هُو وَسعَ كلَّ شَىء علماً ﴾ هنا تم كلام موسى مخاطباً به لهم كلهم ، السامرى ومن تبعه ، ويمكن ان يكون خصهم دونه بهذا زجراً لهم عن اتباعه ، كأنه قال : احذروه ولا تتبعوه ، وعلماً تمييز محول عن الفاعل ، بمعنى وسع علمه كل شىء من أحوال العجل ، وغباوة عابديه ، وغير ذلك ، وخاطب الله عز وجلّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله :

﴿ كذلك نقصُّ عليْك من أنْباءِ ما قَدْ سَبَق ﴾ توفيراً لعلمه ، وتكثيراً لمعجزاته وتسليةً له ، وتذكرة للمستبصرين من أمته ، نقص عليك يا محمد غير هذه القصة قصاً ثابتاً كقص هذا ، أو الكاف اسم أى قصاً مثل هذا القص ، وإنما قدرت لفظغير لئلا يلزم تشبيه الشىء بنفسه ، ومن للابتداء كالتى بعد ، فإن الوقائع مجموعة عند الله عز وجل ، فهو يأخذ إلينا منها ، أو من التبعيضية اسم مضاف مفعول به ، أو يقدر شيئاً ثابتاً بعض ما قد سبق فى الأمم قبلك .

﴿ وقد آتياناك مِنْ لَدُنَّا ﴾ قدم على طريق الاهتمام وأخر قوله : ﴿ ذكراً ﴾ للتشويق هو للقرآن ، والتنكير للتعظيم ، لاشتماله على القصص والشريعة ، وكونه حقيقاً أن يتذكر فيه ، ومن متعلق بآيتنا ، ويجوز تعليقها بمحذوف حال من ذكراً ، قدم للحصر ، أى ذكراً من عندنا لا من غير نارداً على المنكرين ، وهو بهذا الاعتبار وجه حسن كالأول ، أو أفضل ولكن الأصل عدم التقديم ، وقيل ذكراً بياناً وهو راجع للأول ، لأن البيان يقع بالقرآن ، وقيل شرفاً في الناس ولا يلائمه قوله :

﴿ مَنْ أعْرض عْنهُ ﴾ الخ والهاء لله ، والجملة نعت ذكراً لأن الأهم للناس أن لا يعرضوا عن القرآن ، ولو كان ذكره بالشرف فى الناس أمر مأمور به ، ولكن دون ذلك ، ولا يقدم للمنكر بل يقدم له التوحيد والشريعة ، ويبعد جداً جعل الهاء لله عز وجل على طريق الالتفات ﴿ فإنَّه يحمل يوم القيامة وزْراً ﴾ أى عقاباً . شبهه بالحمل الثقيل المسمى وزراً عنى الاستعارة والقرينة يوم القيامة ، أو أطلق عليه لفظ مسببه أو لازمه وهو الوزر الموضوع للإثم ، لأن الإثم سببه أو ملزومه على المجاز الإرسالى ، وقوله : ﴿ وساء ﴾ الخ ترشيح للاستعارة ، والإرسالى ، ويؤيد الأول قوله تعالى : ﴿ وليحملن أثقالهم ﴾ أو الوزر الإثم على تقدير جزاء الإثم ، أو عقاب الإثم ، وما تقديم أولى .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٤٤٧