مَّنۡ أَعۡرَضَ عَنۡهُ فَإِنَّهُۥ یَحۡمِلُ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِ وِزۡرًا١٠٠
الرسم الإملائيّ
مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا
الجزء ١٦الربع ١٢٧ صفحة ٣١٩
تفسيرها
﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ عن الذكر – الذي هو القرآن الجامع لوجوه السعادة والنجاة – فلم يؤمن به ، ولم يدبر آياته ، ولم يعمل بمقتضاه ، أو عن الله . ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وذنوبه. سماها وزرا في ثقلها على المعاقب ، وصعوبة احتمالها بالحمل الذي يفدح الحامل ، وينقض ظهره ، أو إثما عظيما ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ في الوزر ، وفي حمله . ﴿وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ أي: بئس لهم ، أي: ساء حملا وزرهم.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٤٤٨
قوله عز وجل : ﴿ كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ ﴾ أي : من أخبار ما قد مضى . ﴿ وَقَدْ ءَاتَيْنَاكَ ﴾ أي : أعطيناك ﴿ مِن لَّدُنَّا ﴾ أي : من عندنا ﴿ ذِكْراً ﴾ يعني القرآن؛ ﴿ مِّن أَعْرَضَ عَنْهُ ﴾ أي عن القرآن ولم يؤمن به ﴿ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْراً ﴾ قال مجاهد : إثماً . ﴿ خَالِدِينَ فِيهِ ﴾ قال الحسن : في ثواب ذلك الوزر ، وهو النار . ﴿ وَسَآءَ لَهُمْ ﴾ أي وبئس لهم ﴿ يَوْمَ القِيَامَةِ حِمْلاً ﴾ أي : ما يحملون على ظهورهم من الوزر . وهو قوله : ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ [ الأنعام : 31 ] .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا كان يوم القيامة بعث الله مع كل امرئ عمله؛ بعث مع المؤمن عمله في أحسن صورة رآها قط ، أحسنه حسناً ، وأجمله جمالاً ، وأطيبه ريحاً . لا يرى شيئاً يخافه ، ولا شيئاً يروعه إلا قال : لا تخف وأبشر بالذي يسرّك ، لا والله ما أنت الذي يُراد ، ولا أنت الذي يُعنى . فإذا قال له ذلك مراراً قال له : من أنت ، أصلحك الله؟ والله ما رأيت أحسن منك وجهاً ، ولا أطيب منك ريحاً ، ولا أحسن منك لفظاً . فيقول له : أتعجب من حسني؟ فيقول : نعم . فيقول : إني والله عملك . إن عملك والله كان حسناً . إنك كنت تحملني في الدنيا على ثقلي . وإني والله لأحملنَّك اليوم ، فيحمله . » وإنها التي يقول : ﴿ وَيُنَجِّي الله الذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [ الزمر : 61 ] .
قال : ويبعث مع الكافر عمله في أقبح صورة رآها قط ، أقبحه قبحاً ، وأنتنه ريحاً ، وأسوأه منظراً . لا يرى شيئاً يخافه ولا يروعه إلا قال له : يا خبيث ، أبشر بالذي يسوءك . أنت والله الذي يُراد ، والذي يُعنى . فإذا قال له ذلك مراراً قال له : أعوذ بالله منك ، والله ما رأيت أحداً أسوأ منك لفظاً ، ولا أقبح منك وجهاً ، ولا أنتن منك ريحاً . فيقول له : أتعجب مني؟ فيقول : نعم ، فيقول : أنا والله عملك الخبيث ، إن عملك والله كان قبيحاً . إنك كنت تركبني في الدنيا ، وإني والله لأركبنّك اليوم . وإنها التي يقول الله : ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ [ الأنعام : 31 ] .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٤٤٨
﴿ إنما إلهُكُم الله الذَّى لا إله ﴾ لكم ولا لغيركم ﴿ إلا هُو وَسعَ كلَّ شَىء علماً ﴾ هنا تم كلام موسى مخاطباً به لهم كلهم ، السامرى ومن تبعه ، ويمكن ان يكون خصهم دونه بهذا زجراً لهم عن اتباعه ، كأنه قال : احذروه ولا تتبعوه ، وعلماً تمييز محول عن الفاعل ، بمعنى وسع علمه كل شىء من أحوال العجل ، وغباوة عابديه ، وغير ذلك ، وخاطب الله عز وجلّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله :
﴿ كذلك نقصُّ عليْك من أنْباءِ ما قَدْ سَبَق ﴾ توفيراً لعلمه ، وتكثيراً لمعجزاته وتسليةً له ، وتذكرة للمستبصرين من أمته ، نقص عليك يا محمد غير هذه القصة قصاً ثابتاً كقص هذا ، أو الكاف اسم أى قصاً مثل هذا القص ، وإنما قدرت لفظغير لئلا يلزم تشبيه الشىء بنفسه ، ومن للابتداء كالتى بعد ، فإن الوقائع مجموعة عند الله عز وجل ، فهو يأخذ إلينا منها ، أو من التبعيضية اسم مضاف مفعول به ، أو يقدر شيئاً ثابتاً بعض ما قد سبق فى الأمم قبلك .
﴿ وقد آتياناك مِنْ لَدُنَّا ﴾ قدم على طريق الاهتمام وأخر قوله : ﴿ ذكراً ﴾ للتشويق هو للقرآن ، والتنكير للتعظيم ، لاشتماله على القصص والشريعة ، وكونه حقيقاً أن يتذكر فيه ، ومن متعلق بآيتنا ، ويجوز تعليقها بمحذوف حال من ذكراً ، قدم للحصر ، أى ذكراً من عندنا لا من غير نارداً على المنكرين ، وهو بهذا الاعتبار وجه حسن كالأول ، أو أفضل ولكن الأصل عدم التقديم ، وقيل ذكراً بياناً وهو راجع للأول ، لأن البيان يقع بالقرآن ، وقيل شرفاً في الناس ولا يلائمه قوله :
﴿ مَنْ أعْرض عْنهُ ﴾ الخ والهاء لله ، والجملة نعت ذكراً لأن الأهم للناس أن لا يعرضوا عن القرآن ، ولو كان ذكره بالشرف فى الناس أمر مأمور به ، ولكن دون ذلك ، ولا يقدم للمنكر بل يقدم له التوحيد والشريعة ، ويبعد جداً جعل الهاء لله عز وجل على طريق الالتفات ﴿ فإنَّه يحمل يوم القيامة وزْراً ﴾ أى عقاباً . شبهه بالحمل الثقيل المسمى وزراً عنى الاستعارة والقرينة يوم القيامة ، أو أطلق عليه لفظ مسببه أو لازمه وهو الوزر الموضوع للإثم ، لأن الإثم سببه أو ملزومه على المجاز الإرسالى ، وقوله : ﴿ وساء ﴾ الخ ترشيح للاستعارة ، والإرسالى ، ويؤيد الأول قوله تعالى : ﴿ وليحملن أثقالهم ﴾ أو الوزر الإثم على تقدير جزاء الإثم ، أو عقاب الإثم ، وما تقديم أولى .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٤٤٨