وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبࣰا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَیۡهِ فَنَادَىٰ فِی ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّاۤ إِلَٰهَ إِلَّاۤ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّی كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِینَ٨٧
الرسم الإملائيّ
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
الجزء ١٧الربع ١٣٢ صفحة ٣٢٩
تفسيرها
﴿ وَذَا النُّونِ﴾ يونس ﴿ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا﴾ على قومه حين لم يؤمنوا به ، على ما قيل ، ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ البلاء بسبب غضبه ، من القدر ، وقرىء مثقلا ، ولعلها كانت خطرة شيطانية ، سيقت إلى وهمه ، فسمي ظنا للمبالغة ، ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ قيل: ظلمات بطن الحوت والبحر والليل ، أو ظلمات المعاصي ، وذلك عند خروجه منها إلى النور ، وهو التوبة ، ودليله قوله:﴿ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لنفسي بالمبادرة إلى ما لم تأمرني به ، وكان ذلك توبة له.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٧٠
قوله عز وجل : ﴿ وَذَا النُّونِ ﴾ يعني يونس . وقال عزّ وجل في آية أخرى : ﴿ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحُوتِ ﴾ [ سورة ن : 48 ] . والحوت هو النون . ﴿ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً ﴾ أي : لقومه ﴿ فَظَنَّ أن لَّنْ نَّقْدِر عَلَيْهِ ﴾ أي : أن لن نعاقبه .
وبلغنا والله أعلم أن يونس دعا قومه زماناً إلى الله عز وجل . فلما طال ذلك وأبوا أوحى الله إليه أن العذاب يأتيهم يوم كذا وكذا . فلما دنا الوقت تنحّى عنهم . فلما كان قبل الوقت بيوم جاء فجعل يطوف بالمدينة وهو يبكي ويقول : يأتيكم العذاب غداً . فسمعه رجل منهم فانطلق إلى الملك ، فأخبره أنه سمع يونس يبكي ويقول : يأتيكم العذاب غداً .
فلما سمع الملك ذلك دعا قومه فأخبرهم بذلك وقال : إن كان هذا حقاً فسيأتيكم العذاب غداً ، فاجتمِعوا حتى ننظر في أمرنا ، فاجتمعوا ، فخرجوا من المدينة من الغد ، فنظروا فإذا بظلمة سوداء وريح شديدة قد أقبلت نحوهم ، فعلموا أنه الحق . ففرّقوا بين الصبيان وبين أمهاتهم ، وبين البهائم وبين أمّهاتها ، ولبسوا الشعر ، وجعلوا التراب والرماد على رؤوسهم تواضعاً لله ، وتضرّعوا إليه وبكوا وآمنوا . فصرف الله عليهم العذاب . فاشترط بعضهم على بعض ألا يكذب أحد كذبة إلا قطعوا لسانه .
فجاء يونس من الغد ، فنظر فإذا المدينة على حالها ، وإذا الناس داخلون وخارجون ، فقال : سبحان الله ، أمرني ربي أن أخبر قومي أن العذاب يأتيهم فلم يأتهم ، فكيف ألقاهم . فانطلق حتى انتهى إلى ساحل البحر ، فإذا سفينة في البحر ، فأشار إليها ، فأتوه فحملوه ، وهم لا يَعْرِفونه . فانطلق إلى ناحية من السفينة فتقنّع فرقد . فما مضوا إلا قليلاً حتى جاءتهم ريح فكادت السفينة أن تغرق . فاجتمع أهل السفينة فدعوا الله ، ثم قالوا : أيقظوا الرجل يدعو الله معنا ، ففعلوا . فدعا الله معهم ، فرفع الله عنهم تلك الريح . ثم انطلق إلى مكانه فرقد . فجاءت ريح ، فكادت السفينة أن تغرق ، فأيقظوه ، فدعوا الله ودعا معهم ، فرفع الله تبارك وتعالى عنهم الريح .
فتفكر العبد الصالح يونس فقال : هذا من أجل خطيئتي ، أو قال : من ذنبي ، أو كما قال . فقال لأهل السفينة : شدّوني وثاقاً وألقوني في البحر ، فقالوا : ما كنا لنفعل هذا بك وحالك حالك . ولكنا نقترع ، فمن أصابته القرعة ألقيناه في البحر . فاقترعوا فأصابته القرعة . فقال : قد أخبرتكم ، فقالوا : ما كنا لنفعل . ولكن اقترعوا الثانية ، فاقترعوا فأصابته القرعة؛ وهو قول الله عز وجل : ﴿ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ ﴾ [ الصافات : 141 ] أي : من المقروعين ، ويقال : من المسهومين . فانطلق إلى صدر السفينة ليلقي نفسه في البحر ، فإذا هو بحوت فاتح فاه .
ثم انطلق إلى ذنب السفينة ، فإذا هو بحوت فاتح فاه ، ثم جاء إلى جانب السفينة فإذا هو بحوت فاتح فاه .
فلما رأى ذلك صلى الله عليه وسلم ألقى نفسه في البحر ، فالتقمه الحوت . فأوحى الله تبارك وتعالى إلى الحوت إني لم أجعله لك رزقاً ، ولكن جعلت بطنك له سجناً؛ فلا تكسِرَنّ له عظماً ، ولا تقطعَنَّ له شعراً .
فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾ كما قال الله : ﴿ أَن لاَّ إلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين ﴾ . قال الله : ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي المُؤْمِنِينَ ﴾ فأوحى الله إلى الحوت أن يلقيه إلى البرّ . قال الله : ﴿ فَنَبَذْنَاهُ بِالعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴾ [ الصافات : 145 ] أي : وهو ضعيف مثل الصبي الرضيع . فأصابته حرارة الشمس ، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين ، وهي القرعة ، فأظلته فنام ، فاستيقظ وقد يبست .
فحزن عليها ، فأوحى الله إليه : أحزنت على هذه الشجرة وأردت أن تهلك مائة ألف أو يزيدون من خلقي؟ فعلم عند ذلك أنه ابتُلِيَ . فانطلق فإذا هو بذود من غنم ، فقال للراعي : اسقني لبناً . فقال : ما ها هنا شاة لها لبن . فأخذ شاة منها فمسح بيده على ظهرها ، فدرّت ، فشرب من لبنها . فقال له الراعي : من أنت يا عبد الله ، لَتُخْبِرَنِّي . فقال : أنا يونس ، فانطلق الراعي إلى قومه ، فبَشّرهم به ، فأخذوه وجاءوا معه إلى موضع الغنم ، فلم يجدوا يونس . فقالوا : إنا شرطنا لربّنا ألا يكذب منا أحد إلا قطعنا لسانه . فتكلمت الشاة بإذن الله فقالت : قد شرب من لبني ، فقالت الشجرة التي استظل بها : قد استظل بي . فطلبوه فأصابوه ، فرجع إليهم ، فكان فيهم حتى قبضه الله ، وهي مدينة يقال لها نينوى من أرض الموصل ، وهي على دجلة .
وبلغنا أنه إنما عوقب لأنه إنما خرج من قومه من غير أن يؤذن له بالخروج منهم . وإنما خرج رجاء أن يخافوا فيؤمنوا .
ذكروا عن ابن عباس أنه قال : في دجلة ركب السفينة ، وفيها التقمه الحوت ، ثم أفضى به إلى البحر ، ودار في البحر ، ثم رجع في دجلة ، فثمَّ نبذه الله بالعراء ، وهو البر .
قوله عز وجل : ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾ أي : ظلمة البحر وظلمة الليل وظلمة بطن الحوت . ﴿ أَن لآ إِلَهَ إِلآ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٧٠
﴿ وأدْخلناهُم فى رحْمتِنا ﴾ وعلل هذا تعليلا جمليا بقوله : ﴿ إنهم من الصالحين ﴾ الكاملين فى الصلاح لعصمتهم من الذنوب .
﴿ وذا النُّون ﴾ صاحب الحوت يونس بن متى ، ومتى أبوه كما قال البخارى وغيره ، وصححه ابن حجر ، وكذا قالت اليهود ، إلا أنهم يسمونه يونه بن اميتاى ، وبعض يونان بن أماتى ، وكان فى زمان ملوك الطوائف من الفرسن ومعنى ملوك الطوائف تعدد الملوك ، كل على طائفة ، ولم يجمعهم عليهما السلام ، ويروى أن جبريل قال ليونس : أنذر أهل نيونى ، فقال التمس دابة ، فقال : الأمر أعجل من ذلك ، فغضب وانطلق الى السفينة ، ولعل هذا قبل النبوة ، ولم يعلم انه جبريل .
وعن وهب : أنه كان يونس عبداً صالحا فى خلق ضيق فلما تحمل أثقال النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل ، فتذفها من يده وهرب منها ، فأخرجه الله من اولى العزم من الرسل ، وقال : ﴿ اصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ﴾ وقال : ﴿ ولا تكن كصاحب الحوت ﴾ وعن ابن عباس : كانت رسالته بعد الخروج من بطن الحوت لقوله تعالى عقب ذكر خروجه من بطن الحوت : ﴿ وأرسلناه الى مائة الف أو يزيدون ﴾ وأجاز بعضهم الصغيرة قبل النبوة ، وقد قال الله عز وجل : ﴿ إن يونس لمن المرسلين* إذا أبق الى الفلك ﴾ فهو من المرسلين قبل الإباقة لا بعدها .
﴿ إذْ ذَهب ﴾ عن قومه ﴿ مغضبها ﴾ غضب عليهم غضبا شديداً لطول مكثه فيهم بالأمر والنهى ، فالمفاعلة هنا للمبالغة شبه غضبه وحده بالغضب الذى هو مقابل لغضبهم عليه لجامع الشدة ، ولا يقال هو على بابه من المفاعلة بين متعدد ، لأنهم أيضاً غضبا عليه ، إذ خافوا العذاب لذهابه بلا ايمان منهم ، لأنا نقول ليس الخوف غضباً اللهم إلا على طريق الشبه ، ولا يقال هذا مفاعلة بلا مقابل ، ولا مبالغة ، مثل سافرت ، لأنا نقول تحقق وجود سافرت فى ذلك ، ولم يتحقق وجود المغاضبة كذلك فى كلام آخر .
ويقال سبى ملك من فلسطين تسعة أسباط ، ونصفاً من قوم يونس ، وهو ساكن فيها فأوحى الله الى شعياء أن يأمر حزقيل الملك أن يوجه خمسة من الأنبياء لقتاله ، فأمر يونس فقال : هل أمرك الله بإخراجى ، أو سمانى؟ قال : لا ، قال : هنا أنبياء غيرى فالحوا عليه فخرج بلا إذن من الله عز وجل مغضباً له ، وركب سفينة فى بحر الروم ، وأشرفت على الغرق فى اللجة ، فقال الملاحون ، هنا عاص أو آبق ، ومن العادة أن نقترع فنلقى من وقعت عليه ، فغرق واحد أهو من غرق السفينة ومن فيها ، وخرجت على يونس ثلاثاً فقال : أنا العاصى الآبق ، فكلما أتى جانباً من السفينة وحد حوتاً فاغرا فاه ، فالقى نفسه ، فأوحى الله اليه أن لا تخدشيه فإنك سجنه ، وهذا على ظاهره ، أو بمعنى قضى الله عز وجل أن لا تخدشه .
ولما نبذته بالعراء ضعيفاً كالفرخ أنبت الله عز وجل عليه شجرة من يقطين ، قيل يأكل من ثمارها ، أو تظله وترضعه أروى ، ولما يبست حزن فأوحى الله اليه أتحزن على شجرة ولم تحزن على مائة ألف أو أكثر؟ أوحى الله اليه أن اذهب اليهم فقل لملكهم ، أن الله أمرك ان ترسل بنى إسرائيل معى ، فقال لو علمنا أنك نبى لفعلنا ، ولو كان الأمر كذلك لمنعنا الله من سبيهم ، ودعاهم ثلاث أيام ، فأوحى الله عز وجل : أبلغهم إن لم يؤمنوا عذبوا ، فأبلغهم ولم يؤمنوا وندموا ، فسألوا العلماء من بنى إسرائيل فقالوا إن خرج فقد صدق ، فلم يجدوه ، وقيل لهم : خرج العشية ، وأغلقوا الأبواب عن المواشى ، فلم تدخل وفرقوا بين الأولاد والأمهات من كل حيوان ، فلما انشق الصبح جاء العذاب ، وألقت الحوامل ما فى بطونها ، وصاحت الصبيان والدواب ، فرفع العذاب فبعثوا الى يونس فآمنوا ، وأرسلوا بنى إسرائيل معه .
﴿ فظن أن لَن نَقْدر عليْه ﴾ نضيق عليه السجن فى بطن الحوت أو غيره ، ولا علم له بالحوت حتى وقع فى فمه ، دخل ابن عباس على معاوية ، فقال معاوية ، ضربتنى أمواج القرآن الليلة ، فغرقت ، كيف ينفى نبى الله القدرة عن الله؟ فقال ابن عباس : ذلك من القَدْر لا من القُدْرة ، أى من التضييق لا من معنى القدرة ضد العجز ، تعالى ، أو لن نقضى عليه بعقوبة ، ويدل له قراءة عمر بن عبد العزيز بضم النون وشد الدال ، وقراءة على بياء مضمومة وشد الدال من التقدير بمعنى القضاء ، ولكن يجوز أن تكون القراءتان من معنى التضييق .
ويجوز أن يكون المعنى عمِل عمَل من ظن أن لا تعمل فيه قدرتنا ، أو لا نستعمل قدرتنا بتنجيته ، بل نتركه وأما أن يسمى وسوسة الشيطان له بأن لا قدرة الله تعالى على تنجيتك ظنهاً مع أنه ينفيها جزماً كما زعم بعض أنه أزله الشيطان حتى ظن أن الله عز وجل لا يقدر عليه ، وتاب وقبلت توبته ، فلا يتم لأن ذلك غير ظن إلا مجازاً حتى أنى اقول لا وجه لتوقف المصلى وسكوته ، والاشتغال بنفى ما وسوس به الشيطان مع مقارنه إنكاره لوسوسته ، وإنما يفق وينفى أو ترجح عنده ما يوسوسه به ، أو ارتاب به .
﴿ فَنَادى ﴾ كان منا كان من ركوب السفينة والمقارعة ، والتقام الحوت فنادى ﴿ فى الظلمات ﴾ ظلمة واحدة شديدة ، كأنها ظلمات ، أو تركبت من أجزاء كل جزء ظلمة وأما قوله :
وليل يقول الناس فى ظلماته … سواء صحيحات العيون وعورها
فيحتمل أن الجمع لتعدد الناس : ومع ذلك لا بد من التفاقهم فى شدة الظلمات ، وكذل كالظلمة فى الحوت كظلمة العين العوراء التى لم يبق فيها إبصار ما ، أو ظلمة الحوت وظلمة البحر ، وظلمة الليل إذا جاء الليل أو هؤلاء الثلاث مع ظلمة حوت أخرى بلغ هذه .
﴿ أنْ لا إله إلا أنْتَ ﴾ أن مخففة من الثقيلة ، أى أنه أى الشأن ، أو تفسيرية لتقدم ما فيه معنى القول لا خروجه وهو النداء ، ومن الجائز أن يقدر أنك لا إله إلا أنت ﴿ سحبانك ﴾ أسبحك تسبيحك ، أى اللائق بك ، أو حكاية لقول الله : سبحت نفسى ، كما قال بعض : إن سبحان الله علم على تسبح الله نفسه لا تسبيح فيه الأحد إلا حكايته ﴿ إنى كنْتُ ﴾ بهجرتى إذن منك ﴿ من الظالمين ﴾ لأنفسهم أولها ولغيها بذنوبهم ، قال صلى الله عليه وسلم : « دعوة ذى النون إذ هو فى بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إنِّى كنت من الظالمين لا يدعو بها مسلم ربه إلا استجاب له » وعن الحسن : أنها اسم الله الأعظم ، وذلك قال الله عز وجل :
﴿ فاسْتَجبنا له ﴾ دعاءه ﴿ ونجَّيْناه مِن الغَمِّ ﴾ وليست الإجابة مختصة باسمه الأعظم ، عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم : « لما انتهى به الحوت الى أسفل البحر سمع حساً فقال فى نفسه : ما هذا؟ قيل : هذا تسبيح دواب البحر ، فسبح هو فسمعت الملائكة تسبيحه فشفعت له » وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لما دعا بما حفت بالعرش فقالت الملائكة صوت ضعيف من موضع غريب » وروى صوت معروف من موضع مجهول فقال الله جل وعز أما تعرفونه؟ قالوا : لا ، قال : صوت عبدى يونس ، قالوا ، يا ربنا فرج عنه ، إذ لم يزل يرفع منه عمل مقبول فى الرخاء ، فأمر الحوت بإلقائه بأن جدبها الماء الى البر أو أقدرها الله على الحياة والمشى فى البر والرجو الى الماء . والغم غم المكث فى بطن الحوت من الضحا للعشية ، أو ثلاثة أيام أو سبعة أو أربعين يوماً أقول ، ويضعف تفسير الغم بالخطيئة .
وقال هنا : ﴿ ونجيناه ﴾ بالواو ، وفى قصة أيوب : ﴿ فكشفنا ﴾ بالفاء لأن ما هنا زيادة أحسان على مطلوبه ، فلم يترتب بالفاء كترتب الاستجابة والكشف ، ولا مانع من كون التنجية من الغم بعض تفصيل للاستجابة قبله ، والتفصيل يكون بالواو ، وكالفاء إلا أن الفاء فيه أكثر أو الفاء فى أيوب ونوح لاعتبار شأن التفصيل لكثرة ما يفصل فيهما ، والواو فى ذى النون وزكريا لقلته بالنسبة ، ورد فى القرآن أذكار ذكر جزاءها بعدها قوله تعالى : « لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظلمين » الخ ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ الخ ﴿ وأفوض أمرى إلى الله إن الله بصير بالعباد* فوقاه الله ﴾ الخ ﴿ ما شاء الله لا قوة إلا بالله ﴾ الخ ﴿ رب لا تذرنى فرداً ﴾ الخ وغير ذلك .
﴿ وكذلك نجى المُؤمنين ﴾ ننجى سائر المؤمنين مثل ذلك الإنجاد إذا دعونا فى غم مخلصين ، وهو مضارع أنجوا حذفت النون الثانية الأصلة فى الخط لا الأولى الزائدة لحصول التكرير بالثانى دون الأول ، لكن تخفى فى الجيم لأنها ساكنة تخرج من الخيشوم ، وكذلك تخفى فى الشين والضاد .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٧٠