ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةࣰ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةࣰ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمࣰا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمࣰا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِینَ١٤
الرسم الإملائيّ
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ
الجزء ١٨الربع ١٣٧ صفحة ٣٤٢
تفسيرها
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ﴾ من خلاصة سلت من بين الكدر ﴿مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ حريز ، مكن لاستقرارها فيه إلى بلوغ أمدها ، وهو الرحم. ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ بأن أحلنا النطفة البيضاء علقة حمراء ، ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا ، فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا، ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ آخر: قيل: الروح ، أو نبات الشعر والأسنان ، أو تصريف أحواله بعد الولادة من الدلالة على ثدي أمه إلى كمال عقله ، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ فتعالى شأنه في قدرته وحكمته ، ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ المقدرين تقديرا. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ﴾ للحساب والجزاء.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦٨٧
قوله : ﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً ﴾ [ يكون في بطن أمه نطفة أربعين ليلة ، ثم يكون علقة أربعين ليلة ، ثم يكون مضغة أربعين ليلة ] .
قال : ﴿ فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً ﴾ وبعضهم يقرأها ﴿ عَظْماً ﴾ يعني جماعة العظام . ﴿ فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ﴾ وبعضهم يقرأها : ﴿ فَكَسَوْنَا العَظْمَ لَحْماً ﴾ . وهي مثل الأولى . قال : ﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ﴾ قال بعضهم : أنشأ عليه الشعَر . وقال الحسن : الروح . وقال بعضهم : ذكراً أو أنثى . وقال الكلبي : الروح ، وهو في بطن أمه .
قال : ﴿ فَتَبَارَكَ الله ﴾ . هو من باب البركة كقوله : ﴿ فَتَعَالَى الله ﴾ [ الأعراف : 190 ] ﴿ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ ﴾ ، أي : أن العباد قد يعملون ما يشبهون بخلق الله ، ولا يستطيعون أن ينفخوا فيه الروح .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « قال الله : من أظلم ممن يخلق كخلقي ، فليخلقوا ذباباً أو ذرة أو بعوضة » .
ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله » .
ذكروا أن عمر بن الخطاب قال : وافقني ربي ، أو وافقت ربي في أربع : قلت : يا رسول الله ، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلًّى ، فأنزل الله : ﴿ وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً ﴾ [ البقرة : 125 ] . ولما نزلت هذه الآية : ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ﴾ قلت : تبارك الله أحسن الخالقين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لقد ختمها الله بما قلت . » [ وقلت : يا رسول الله ، لو حجبت نساءك ، فإنه يدخل عليهن الصالح وغيره ، فأنزل الله آية الحجاب . وكان بين نبي الله وبين نسائه شيء ، فقلت لتنتهن أو ليبدلنَّه الله أزواجاً خيراً منكن ، فأنزل الله : ﴿ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنْكُنَّ ﴾ [ التحريم : 5 ] .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦٨٧
﴿ ثم خَلقْنا النُّطفَة علقةً ﴾ صيرناها دما جامدا ﴿ فخلقْنا العَلَقة مُضْغة ﴾ لحمة قدر ما يمضغ ﴿ فخلقنا المْضْغة ﴾ كلها ﴿ عظاما ﴾ مائتين وثمانية وأربعين عظما ، وهى عدد لفظ رحم بالجمل الكبير ﴿ فكَسَونا العظام ﴾ المعهودة عهدا ذكريا ﴿ لحماً ﴾ آخر غير لحم المضغة خلق من الرحم ، وهذا هو الظاهر من قوله : « خلقنا المضغة » لأن المتبادر أنها كلها صيرت عظاما ، ولا دليل على أنه صير أكثرها ، وكسا العظام بباقيها ﴿ ثم أنْشأناهُ ﴾ بإحداث الروح فيه سارية فى أجزائه حتى ظفره ، وشعره ﴿ خلقاً آخر ﴾ حيوانا يتكلم ويسمع ويبصر ويفعل ، ولبعد هذه الأوصاف عما قبلها من الجمادات ، وكان العطف بثم كما كان بها أولا لبعد النطفة عن الطين ، والعطف بالفاء فى الباقى للترتيب دون اتصال ، والمدة فى ذلك كله سواء ، وتراخى ثم فى الرتبة .
واستدل أبو حنيفة بقوله : « خلقا آخر » على أنه من غصب بيضة فأفرخت عنده أن فرخها له ، لأنه خلق آخر ، وليس كذلك ، بل لصاحبها ، ولو كان خلقا آخر لأنه هو البيضة استحالت فرخا بإذن الله ، وتحولها لا يخرج به من ملكه ، بل هو جزء من المغصوب ﴿ فتبارك الله ﴾ لم يقل فتباركنا للإشعار بأنه تلك الأفعال من شأن الألوهية ﴿ أحْسن الخالقين ﴾ نعت ، لأن إضافة اسم التفضيل محضة لا كما قيل إنها لفظية كونها عوضا مِنْ من ، والتمييز محذوفدل عليه الخالقين ، أى أحسنهم خلقا ، والخلق هنا التقدير أو التصوير ، قال الله سبحانه : ﴿ وإذ تخلق من الطين ﴾ أى تصور ، وقال زهير :
ولأنت تفترى ما خلقت وتع … ض القوم يخلق ثم لا يفرى
أى تقدر لا بمعنى الإيجاد ، لأنه يختص بالله الأعلى ، زعم المعتزلةرضي الله عنR> أنهم خلقوا أفعالهم ، ومعنى حسن حلقه للأشياء اتقانه ، أو انتفاء القبح فى فعله ، وهو تعالى يخلق القبيح والحسن ، لا كما قالت المعتزلة إنه لا يخلق المعاصى .
وروى أنه لما سمع عمر الآية إلى قوله : ﴿ خلقا آخر ﴾ قال : فتبارك الله أحسن الخالقين فنزلت كما فى الطبرانى وأبى نعيم وابن مردوية ، وكان يفرح بذلك ، وروى هذا عن معاذ كما فى الطبرانى وابن مردوية ، وروى عن عبد الله بن سعيد بن أبى سرح وهو المشهور ، وأنه ارتد وهرب إلى مكة ، وقال : أوحى إلى كما أوحى الى محمد ، ورد بأن السورة مكية ، واتداده بالمدينة ، ويجاب بأن السورة مكية ، ونزلت عليه بالمدينة الآية ، فالآية مدنية كقوله عز وجل : ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم ﴾ الى : ﴿ « مبلسون ﴾ وباقى السورة مكى ، ومات كافراً ، وقيل أسلم يوم الفتح وحسن إسلامة .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦٨٧