سورة المؤمنون
الجزء المؤمنون · صفحة ٠﴿ ثم خَلقْنا النُّطفَة علقةً ﴾ صيرناها دما جامدا ﴿ فخلقْنا العَلَقة مُضْغة ﴾ لحمة قدر ما يمضغ ﴿ فخلقنا المْضْغة ﴾ كلها ﴿ عظاما ﴾ مائتين وثمانية وأربعين عظما ، وهى عدد لفظ رحم بالجمل الكبير ﴿ فكَسَونا العظام ﴾ المعهودة عهدا ذكريا ﴿ لحماً ﴾ آخر غير لحم المضغة خلق من الرحم ، وهذا هو الظاهر من قوله : « خلقنا المضغة » لأن المتبادر أنها كلها صيرت عظاما ، ولا دليل على أنه صير أكثرها ، وكسا العظام بباقيها ﴿ ثم أنْشأناهُ ﴾ بإحداث الروح فيه سارية فى أجزائه حتى ظفره ، وشعره ﴿ خلقاً آخر ﴾ حيوانا يتكلم ويسمع ويبصر ويفعل ، ولبعد هذه الأوصاف عما قبلها من الجمادات ، وكان العطف بثم كما كان بها أولا لبعد النطفة عن الطين ، والعطف بالفاء فى الباقى للترتيب دون اتصال ، والمدة فى ذلك كله سواء ، وتراخى ثم فى الرتبة .
واستدل أبو حنيفة بقوله : « خلقا آخر » على أنه من غصب بيضة فأفرخت عنده أن فرخها له ، لأنه خلق آخر ، وليس كذلك ، بل لصاحبها ، ولو كان خلقا آخر لأنه هو البيضة استحالت فرخا بإذن الله ، وتحولها لا يخرج به من ملكه ، بل هو جزء من المغصوب ﴿ فتبارك الله ﴾ لم يقل فتباركنا للإشعار بأنه تلك الأفعال من شأن الألوهية ﴿ أحْسن الخالقين ﴾ نعت ، لأن إضافة اسم التفضيل محضة لا كما قيل إنها لفظية كونها عوضا مِنْ من ، والتمييز محذوفدل عليه الخالقين ، أى أحسنهم خلقا ، والخلق هنا التقدير أو التصوير ، قال الله سبحانه : ﴿ وإذ تخلق من الطين ﴾ أى تصور ، وقال زهير :
ولأنت تفترى ما خلقت وتع … ض القوم يخلق ثم لا يفرى
أى تقدر لا بمعنى الإيجاد ، لأنه يختص بالله الأعلى ، زعم المعتزلةرضي الله عنR> أنهم خلقوا أفعالهم ، ومعنى حسن حلقه للأشياء اتقانه ، أو انتفاء القبح فى فعله ، وهو تعالى يخلق القبيح والحسن ، لا كما قالت المعتزلة إنه لا يخلق المعاصى .
وروى أنه لما سمع عمر الآية إلى قوله : ﴿ خلقا آخر ﴾ قال : فتبارك الله أحسن الخالقين فنزلت كما فى الطبرانى وأبى نعيم وابن مردوية ، وكان يفرح بذلك ، وروى هذا عن معاذ كما فى الطبرانى وابن مردوية ، وروى عن عبد الله بن سعيد بن أبى سرح وهو المشهور ، وأنه ارتد وهرب إلى مكة ، وقال : أوحى إلى كما أوحى الى محمد ، ورد بأن السورة مكية ، واتداده بالمدينة ، ويجاب بأن السورة مكية ، ونزلت عليه بالمدينة الآية ، فالآية مدنية كقوله عز وجل : ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم ﴾ الى : ﴿ « مبلسون ﴾ وباقى السورة مكى ، ومات كافراً ، وقيل أسلم يوم الفتح وحسن إسلامة .