سورة المؤمنون · الآية ٦٣ من ١١٨

‹ السورة السابقة
بَلۡ قُلُوبُهُمۡ فِی غَمۡرَةࣲ مِّنۡ هَٰذَا وَلَهُمۡ أَعۡمَٰلࣱ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمۡ لَهَا عَٰمِلُونَ٦٣
الرسم الإملائيّ

بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ

الجزء ١٨الربع ١٣٨ صفحة ٣٤٦

تفسيرها

[سورة المؤمنون — آية 63]

﴿ وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ قدر طاقتها ، يريد به التحريض على ما وصف به الصالحين ، وتسهيله على النفوس ، ﴿ وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾ اللوح المحفوظ ، أو صحيفة الأعمال ، أو علم الله المكنون ﴿ يَنطِقُ بِالْحَقِّ﴾ بالصدق ، لا يوجد فيه ما يخالف الواقع ، ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بزيادة عقاب ، أو نقصان ثواب. ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ قلوب الكفرة ﴿ فِي غَمْرَةٍ﴾ في غفلة غامرة لها ، ﴿ مِّنْ هَذَا﴾ من الذي وصف به هؤلاء ، أو من القرآن ، لا يدرون تأويله بسبب تعاميهم عنه ، ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ﴾ خبيثة ﴿ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ متجاوزة ما وصفوا به ، ﴿ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ معتادون فعلها.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٧٣٦

[سورة المؤمنون — آية 63]

قوله : ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هذَا ﴾ أي : في غفلة من هذا ، أي : مما ذكر من أعمال المؤمنين في الآية الأولى . ﴿ وَلَهُم ﴾ يعني المشركين ﴿ أَعْمَالٌ مِّنْ دُونِ ذَلِكَ ﴾ [ أي : دون أعمال المؤمنين ، أي : شرّ من أعمال المؤمنين ﴿ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ﴾ أي : لتلك الأعمال .

وتفسير مجاهد : ﴿ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا ﴾ يعني القرآن ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّنْ دُونِ ذَلِكَ ﴾ ] أي : خطايا من دون الحق . وقال بعضهم : أعمال لم يعملوها سيعملونها .

ذكر سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه قال : يا رسول الله ، أنعمل لما قد فرغ منه ، أو لما يستأنف؟ قال : بل لما قد فرغ منه . فقال : ففيم العمل إذاً؟ قال : اعملوا ، فكل لا ينال إلا بالعمل . قال هذا حين نجتهد .

ذكر بعض السلف قال : لم تُوكَلُوا إلى القدر وإليه تصيرون .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٧٣٦

[سورة المؤمنون — آية 63]

﴿ بل قلوبهم فى غمرةٍ من هذا ﴾ إضراب لانتقال الكلام ورجوعه الى الكفرة بأنهم فى جهالة من هذا الذى دكرنا من أن أعمالهم مكتوبة عندنا ليعاقبوا عليها ، أو من هذا القرآن ، وقيل الاشارة الى ما عليه أولئك السابقون ، وقيل إلى الدين وقيل الى النبى صلى الله عليه وسلم والأول أولى ﴿ ولهم أعمال ﴾ سيئة كثيرة ﴿ من دون ذلك ﴾ غير ذلك المذكور من كون قلوبهم فى غفلة وصفها بقوله : ﴿ هم لها عاملونَ ﴾ وهى أنواع كفرهم ومعاصيهم ، ومنه الطعن فى القرآن كذا قيل ، وفيه أنه لا يتبادر أن الغمرة عمل أو دون بمعنى تحت ذلك ، وهى املعاصى التى ليست بإشراك ، وهذا اولى ، ويبعد ما قيل : إن الآية فى المؤمنين المذكورين تحيروا ، هل تقبل أعمالهم؟ وهل أدوا الفرائض ولهم أعمال طاعة أخرى نفل؟ ويرده قوله :

﴿ حتَّى إذا أخَذنا متْرفيهم بالعَذاب ﴾ فغن المعنى أنهم لا يزالون على تلك الأعمال ، حتى ينزل عذابهم ، وذلك فى الكفار ، ومعنى عاملون مستمرون على حملها ، ولام لها لتقوية اسم الفاعل ، وقدم لها للفاصلة ، وبطريق الاهتمام بذكر قبائحهم ، وحتى حرف ابتداء لا تخلو من غاية ، وهى تدخل على الجمل كما دخلت هنا على جملة أداة الشرط ، وما بعد من شرط ، وجواب مقرون بإذا الفجاءة وهما قوله :

﴿ إذا هم يجْئَرون ﴾ والمترفون المنعمون ، والجار الصراخ جزعا ، والعذاب قتلهم فى بدر ، وأسرهم ، صرخوا عند القتل وعند الأسر ، أو ذلك فى المجموع المترفون ، قتلوا والباقون جاروا على قتلى بدر شهراً فى مكة وجزت نساءهم شعورهن ، ويأتين يغرس القتيل أو راحلته ، ويسترنها بالستور ، وينحن حولها ، ويخرجن بها الى الأزقة ، ثم تزكوا خوف الشماتة او العذاب الجوع ، فإذا جاع المترف فغيره أولى بالجوع ، قال صلى الله عليه وسلم : « اللهم اشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها عليهم سنيناً كسنين يوسف » فأجاب الله دعاءه ، حتى أكلوا الجلود والجيف ، والعظام والدم ، والشعر المختلطين ، وذلك قبل الهجرة على الصحيح ، وقيل بعدها ، وجمع بأنه وقع مرتين .

وروى أنهم سألوه صلى الله عليه وسلم ، فدعا فزال بعد سبع سنين ، وقيل المراد عذاب الآخرة ، ورجح بأنه الذى يتضرعون فيه الى الله عز وجل ، فلا يقبل ، ولعل هذا أسح لقوله تعالى :

﴿ لا تجْئروا اليَوْم ﴾ الى قوله : ﴿ تهجرون ﴾ فإن هذا مقول لهم فى الآخرة ، وأما يوم بدر فلم يتضرعوا ، وأما الجوع فلم يجبهم صلى الله عليه وسلم بالرد فيه ، وهذا على أن الجؤار صياح يتضرع لا مطلق صياح ، وذكر اليوم مبالغة فى أن جآرهم لا ينفعهم ، وزيادة فى الاقناط ، والجملة مفعول لقول محذوف على لسان الحال كقوله :

امتلأ الحوض وقال قطنى … مهلا رويداً ملأت بطنى

أو كلام يرسل الله به ملكاً أو يخلقه الله حيث شاء ، فيسمعونه كما قال : ﴿ اخسئوا فيها ﴾ الخ ﴿ إنَّكم ﴾ لأنكم ﴿ منَّا ﴾ متعلق بتنصر من قوله : ﴿ لا تُنْصرون ﴾ لخروج لا النافية عن الصدر ، لأنها لم تعمل عمل إن وللفاصلة وللتوسع فى الظروف ومن للابتداء ، أى لا يأتكم نصر منّا ينجيكم مما أنتم فيه لتكذيبكم ، كما قال :

﴿ قد كانَتْ آياتى تتلى عليْكُم ﴾ الخ أى لأنه قد كانت آياتى تتلى عليكم الخ ، وهذا التعليل يمنع ان تكون من بمعنى عن ، او تنصرون بمعنى تمنعون على معنى لا ينصركم عنا ناصر ، او لا يمنعكم منا مانع ، وكذا يمنعه أن الجوار ليس الى غيره فيمنعهم غيره المذكور كأصنامهم ﴿ فكنتم ﴾ لتلاوتها ﴿ على أعقابكم ﴾ مؤخرات الأرجل ، وهو تأكيد فى المعنى لقوله : ﴿ تنْكصون ﴾ ترجعون ، أى ترجعون الى وراء فى الطريق الأول ، كقولهم : رجع عوده على بدئه ، او النكوص مطلق الرجوع الى وراء ، وهو استعارة تبعية للاعراض عن سماعها أشد الاعراض .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٧٣٦