وَٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِیعَةࣲ یَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡءَانُ مَاۤءً حَتَّىٰۤ إِذَا جَاۤءَهُۥ لَمۡ یَجِدۡهُ شَیۡءࣰا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِیعُ ٱلۡحِسَابِ٣٩
الرسم الإملائيّ
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
الجزء ١٨الربع ١٤٢ صفحة ٣٥٥
تفسيرها
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ كأنه في النظر ماء ، فإذا قرب منه لم ير شيئا ، ﴿بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء﴾ العطشان . الآية قال أبو سعيد فيها:" إنه قيل: الدائن بضلال يعمل بدين ، ويجتنب بدين ، ومجتهد بذلك ، وأما قوله:﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ.... ﴾ الآية ، أحسب أنه قيل هذا ﴿فيمن﴾ يرتكب ما يدين بتحريمه ويتجاهل ، ويعمل المعاصي بغير دين ، والله أعلم بتأويل كتابه". ﴿حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ﴾ عقابه ، أو محاسبا إياه ، ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ، وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لا يشغله حساب عن حساب.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٣٠
قال : ﴿ وَالذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بقِيعَةٍ ﴾ وهذا مثل المنافق . والقيعة القاع ، وهو القرقر . ﴿ يَحْسَبُهُ الظَّمْئآنُ ﴾ أي : العطشان ﴿ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئاً ﴾ يقول :
إن المنافق أقرّ بالله ربّاً ، وبمحمد نبيّاً ، وبما جاء به حقّاً ، ولم يعمل لله شيئاً بما أقرّ له به ، واعتمد على الإِقرار دون الوفاء بالأعمال ، حتى إذا صار إلى الآخرة لم يجد ثواب عمله إذ لم يكمل لله فرائضه ، وحسب أن الله يُثيبه على الإِقرار دون الوفاء بالأعمال؛ فكان مثله مثل العطشان الذي رأى السراب فظنَّ أنه ماء ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً . وهو كقوله : ﴿ مَثَلُ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ البَعِيدُ ﴾ [ إبراهيم : 18 ] . والعطشان مثل المنافق والسراب مثل إقراره يحسب أنه أغنى عنه شيئاً ، حتى يأتيه الموت ، فإذا جاءه الموت لم يجد إقراره أغنى عنه شيئاً إلا كما ينفع السّرابُ العطشانَ .
قوله : ﴿ وَوَجَدَ الله عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ﴾ أي : ثواب عمله السيء وهو النار .
﴿ وَالله سَرِيعُ الحِسَابِ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٣٠
﴿ والَّذين كَفَروا أعمالهُمْ ﴾ ما يعملونه مما هو طاعة شرعية ، وما يدعونه عبادة ، وليس عبادة كفك العانى ، وسقاية الحاج ، وعمارة البيت وإغاثة الملهوف ، وقرى الضيف ، وكلطخ البيت بدم الذبائح التى يتقربون بها ، ودخول البيوت من غير أبوابها إذا أحرموا ، وقولهم : لبيك اللهم لا شريك لك إلا شريكا تملكه وما ملك .
﴿ كسرابٍ ﴾ من سرب الماء بمعنى جريانه ، لأنه بخار رقيق يصعد من قيعان الأرض تصيبه الشمس فيرى من بعيد كأنه ماء سارب ، أى جار أو ما ترقرق منن الهواء وقت شدة الحر فى الفيفاء المنبسطة ، أو شعاع يرى نصف النهار وقت شدة الحر ﴿ بقيعةٍ ﴾ فى أرض مستوية منبسطة ، لا فى هوائها فقط نعت سراب ﴿ يحسبُه ﴾ يظنه ، وقيل : الظن أن يخطر الشيئان الجائزان ، أو الأشياء الجائزات فى القلب ، ويرجح أحدهما أو إحداهن ، والحسبان الحكم بواحد دون خطور الآخر ، دون أن يصل درجة العلم ، ويطلق أيضاً على معنى دعوى وصولها .
﴿ الظّمآن ﴾ العطشان ﴿ ماء ﴾ وكذا الريان يحسبه ماء ، إلا أنه خص الظمآن الماء المحسوب أو السراب ﴿ لم يجدهُ ﴾ أى لم يجد ما حسبه ماء هو السراب ﴿ شيئاً ﴾ محسوساً ولا معقولا فضلاً عن أن يكون ماء ، ولو كان فى نفس الأمر شيئاً ، وهو البخار المتصعد مثلاً ، ألا ترى أنه يرى من بعيد فلا بد أن له أصلا ، كما أن للحلقة الحاصلة من إدارة الشعلة بسرعة أصلاً ، وهو الشعلة .
﴿ ووجَد الله ﴾ مقدور الله ، وهو الاهلاك ﴿ عنْدَه ﴾ عند السراب ، أى يجد حساب الله عند السراب ﴿ فوفَّاه حِسابه ﴾ أعطاه حساب عمله كاملاً ، فيعذب العذاب المتوقف عليه كاملاً ، ولا يثابون على ما ظنوه من الأعمال نافعاً ، وعبادة فى الجملة لا يوم القيامة ، لأنه لا يؤمن به ، ولكن إذا بعث طمع أن ينفعه ذلك ، أو فرض أنه إن صحت القيامة نفعنى فيها ذلك يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، ومثل ذلك فى المؤمن قوله تعالى : ﴿ يجد الله غفوراً رحيماً ﴾ أى يجد مغفرته ورحمته ، وقيل نزلت الآية فى عتبة بن ربيعة بن أمية ، كان يترهب فى الجاهلية ، ويلبس المسوح ، ولما جاء الاسلام كفر به .
روت صحابة أن الكفار يبعثون يوم القيامة وردا عطاشا ، فيقولون أين الماء فيمثل لهم السراب فى الساهرة ، فيحسبونه ماء فينطلقون اليه ، فيجدون الله تعالى عنده ، فيوفيهم حسابه ، تجرهم الزبانية الى النار ، وتسقيهم الحميم والغساق ، والكلام استعارة تمثيلية ﴿ والله سريعً الحساب ﴾ لا يشغله حساب عن حساب .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٣٠