سورة النور · الآية ٤٠ من ٦٤

‹ السورة السابقة
أَوۡ كَظُلُمَٰتࣲ فِی بَحۡرࣲ لُّجِّیࣲّ یَغۡشَىٰهُ مَوۡجࣱ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجࣱ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابࣱۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَاۤ أَخۡرَجَ یَدَهُۥ لَمۡ یَكَدۡ یَرَىٰهَاۗ وَمَن لَّمۡ یَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورࣰا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ٤٠
الرسم الإملائيّ

أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ

الجزء ١٨الربع ١٤٢ صفحة ٣٥٥

تفسيرها

[سورة النور — آية 40]

﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ أمواج مترادفة متراكمة ، ﴿مِّن فَوْقِهِ﴾ من فوق الموج الثاني ﴿سَحَابٌ﴾ غطى النجوم ، وحجب أنوارها ، ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ وهي أقرب ما يرى إليه ، ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ لم يقرب أن يراها ، فضلا عن أن يراها ، أو يرى ما هو أبعد منها. ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ ومن لم يقدر له الهداية ولم يوفقه لأسبابها ، ﴿فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ خلاف الموفق الذي له نور على نور.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٣١

[سورة النور — آية 40]

ثم ضرب الله مثل المشرك فقال : ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ ﴾ فهذا مثل آخر للكافر المشرك ، أي : مثل قلب المشرك في بحر لجي [ أي : عميق قعير أي : غمر ] ﴿ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ ﴾ ثم وصف ذلك الموج فقال : موج ﴿ مِّنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ أي : ظلمة البحر وظلمة الموج وظلمة السحاب وظلمة الليل ، فكذلك قلب المشرك مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم . قال : ﴿ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ أي : من شدة الظلمة ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ﴾ .

فهذه ثلاثة أمثال مثلها الله في هذه السورة : مثل المؤمن ، ومثل المنافق ، ومثل المشرك ، بيّنة واضحة معقولة . قال : ﴿ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ ﴾ [ العنكبوت : 43 ] .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٣١

[سورة النور — آية 40]

﴿ أو كظلمات ﴾ أو لتقسيم أعمالهم أو للتنويع أو للتخيير ، وجه التقسيم أن حسناتهم بعضه كسراب ، وهو ما كان طاعة لا تنفعهم لشركهن ، وكذا لا ينفعهم ما ليس طاعة ، وبعضها كطلمات وهو المعصية التى تقربوا بها الى الله عز وجل ، أو أعمالهم مطلقاً كالسراب فى الآخرة لعدم النفع ، لقوله : ﴿ ووجد الله ﴾ الخ ، وكالظلمات فى الدنيا لخلوها من نور الحق لقوله : ﴿ فمن لم يجعل الله ﴾ الخ أو شبهها بالسراب فى الدنيا حال الموت ، وبالظلمات فى القيامة ، كما روى : ﴿ الظلم ظلمات ﴾ والتقسيم باعتبار الوقتين ، ووجه التنويع أن بعضا كسراب ، وبعضا كظلمات ولا عقاب على ما هو حسنة ، ووجه التخيير على جوازه فى غير الطلب أنك إن شبهتها بالسراب أصبت ، أو بالظلمات أصبت ، نحو : زيد وعمر كلاهما محتاج ، تكريم زيداً أو تكريم عمراً .

﴿ فى بحر لجىّ ﴾ ذى لج ، واللج معظم ماء البحر ، وكذا اللجة ، والأول أولى ، لأن الأصل عدم الحذف ، ولو اتحد المعنى وفى النسب الى اللجة حذف التاء ، ولو كان قياسياً شهيراً ﴿ يغشاه موجٌ ﴾ يغشى هذا البحر جزء منه متحرك ، فالمغشى أكثر البحر ، والغاشى بعضه وهو الموج ﴿ من فوْقِه ﴾ فوق الموج ﴿ مَوجٌ ﴾ آخر مبتدأ أو خبر ، والجملة نعت موج او من فوقه نعت ، وموج فاعل لوقوله : « من فوقه » والمراد تعدد الأمواج ، ويجوز أن يكون الموج بالمعنى المصدرى فالمغشى كل البحر ﴿ من فَوقه ﴾ أى فوق هذا الموج الثانى ﴿ سَحابٌ ﴾ ساتر لضوء النجوم والقمر ، كأنها بلغت السحاب .

﴿ ظلماتٌ ﴾ هى ظلمات ، أو ذلك ظلمات ﴿ بعضها فوق بعضٍ ﴾ كقوله تعالى : ﴿ نور على نُور ﴾ ﴿ إذا أخْرح يَده ﴾ من ثيابه أو من حيث هى الى جهة السماء قرب عينيه ﴿ لَم يَكَد يراهَا ﴾ لم يقرب أن يراها ، فضلاً عن أن يراها فليس يكاد زائدة وجملة ، إذا وشرطها وجوابها نعت ظلمات ، وإنما الممنوع أن يكون خبرا أو حالا او صلة أو نعتا أداة الشرط ، والشرط أو كلاهما مع الجواب الذى هو أمر او نهى ، أونحوهما ، والرابط محذوف ، أى إذا أخرج فيها يده ، ونفى كاد نفى ، وإثباتها إثبات ، والنفى فى الماضى لا يوجب الاثبات فى المستقبل ، وكذا العكس ، وإذا استعمل لم يكد يكون مع أنه كان ، فمعناه أنه وقع بعد ما بعد من الوقوع ، وذلك إن كان دليل على ذلك ، وشرط الرؤية أن يكون الرائى فى ضوء أو يكون مرئية مضيئا ككوكب ، وكنار فى بعيد وأنت فى ظلمة ، وأما عدم رؤية النجوم نهاراً فلذهاب ضوئها بضوء الشمس عنا ، ولو كانت نهاراً على حالها ليلا .

﴿ ومَن لَم يجْعَل الله له نُوراً ﴾ هدى ﴿ فماله منْ نُور ﴾ هدى من أحد له ، أو من لم يكن له هدى فى الدنيا ، فهو يوم القيامة فى ظلمه ، أو من لم ينوره الله يوم القيامة بعفوهه لتوفيقه فى الدنيا ، فلا نور له يوم القيامة ، أى لا رحمة له .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٣١