یُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِی ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةࣰ لِّأُو۟لِی ٱلۡأَبۡصَٰرِ٤٤
الرسم الإملائيّ
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ
الجزء ١٨الربع ١٤٢ صفحة ٣٥٦
تفسيرها
﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ بالمعاقبة بينهما ، أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر، أو بتغير أحوالهما بالحر والبرد ، والظلمة والنور ، أو بما يعم ذلك ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فيما تقدم ذكره ﴿لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾ لدلالة على وجود الصانع القديم ، وكمال قدرته ، وإحاطة علمه ، وإنقاذ مشيئته ، وتنزيهه من الحاجة وما يفضي إليها ، لمن يرجع إلى بصيرة.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٣٥
قوله : ﴿ يُقَلِّبُ الله الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ [ هو أخذ كل واحد منهما من صاحبه كقوله : ﴿ يُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ ﴾ [ فاطر : 13 ] قال ] : ﴿ إِن فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ ﴾ أي : لذوي الأبصار ، وهم المؤمنون الذين أبصروا الهدى .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٣٥
﴿ يُقلَّب الله اللَّيل والنَّهار ﴾ بالاتيان بأحدهما بعد الآخر ، والزيادة فى احدهما ، والنقص من الآخر ، والضوء فى النهار دائماً ، والظلمة فى الليل أحيانا ، والحر والبرد ، وظهور الكواكب فى أحدهما دون الآخر ﴿ إنَّ فى ذلك ﴾ المذكور من التقليب والازجاء وما بعده ، وإشارة البعد مع قرب المشار اليه لعلو مرتبة ما ذكر ، ولا بعد فى أول ما ذكر ، لأنه كشىء متصل ﴿ لعبرةً ﴾ تفكروا يتوصل به الى معرفة وجود الله تعالى ، وكمال قدرته ﴿ لأولى الأبصار ﴾ جمع بصر بمعنى بصيرة القلب ، وفيه مع الأبصار المتقدم الجناس ، كقوله تعالى : ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ مع قوله : ﴿ ما لبثوا غير ساعة ﴾ ولو فسرناه بأبصار الوجه لوضوح الدالالة ، لكان شبه الايطاء فى القول فى :
﴿ والله خلق كلَّ دابَّةٍ ﴾ كل حيوان ينتقل الانس والجن والملائكة ، والطير والسمك والأنعام ، والوحش والبغال والحمير ، والخيل والفيل والخشخاش ، وسائر ما فيه الروح ، ألا ترى أن السمك لا يمشى على الأرض ، بل يسبح فى الماء ، والطير إذا نزلت مشت فى الأرض ﴿ مِنْ ماءٍ ﴾ خلق الله جوهرة ، وخلق فيها تمييزاً ، فذابت ماء من خشية الله ، وخلق من ذلك الماء النار والهواء والنور ، وخلق الملائكة من هذا النور ، وقيل من الريح والجن من النار ، وآدم من طين مشتمل على ماء ، قال الله تعالى : ﴿ وخلقنا من الماء كل شىء حى ﴾ وعيسى خلق من جزء من أمه ، كما حلق حواء من آدم ، وذلك ذكر خلق من أنثى ، وأنثى خلق من ذكر ، وهى أعنى مريم ممن خلق من ماء ، والله نفخ فى ذلك الجزء الروح .
﴿ فمنهم ﴾ من الدواب ، وقوله : ﴿ هم ﴾ تغليب للعقلاء ﴿ مَنْ يمشى ﴾ ينتقل مجاز لعلاقة الاطلاق والتقييد ، أو استعارة للفظ المشى للانتقال ، ولا مانع من أن يقال المشى حقيقة فى الانتقال فى الأرض مثلا ، وفيه استعمال من لغير العاقل ، وذلك تغليب لجانب العاقل المذكور مع غيره بعد ﴿ على بَطنِهِ ﴾ كالحيات والسمك ، ﴿ ومنهم من يمْشى على رجلين ﴾ كالانسان والطائر ، وفى الجن أصناف منها ذو رجلين يطير ومنها ما لا يطير ، وغير ذلك ، وكذا فى الملائكة أصناف ، وفى قوله : ﴿ هم ﴾ وقوله : « من » تغليب للعاقل .
﴿ ومنْهُم من يمشى على أربِعٍ ﴾ كالأنعام والحمير والبغال ، والخيل والوحش ، ولم يذكر ما يدب على رجل واحدة ، وهو يشبه الانسان ، وما يدب على اكثر من أربع كالعناكب ، وأم الأربع والأربعين ، لأن ذلك شاذ ، ولأنه ليس فى الكلام حصر ولقوله : ﴿ يخْلق اللهُ ما يشاء ﴾ من الأجسام والأعراض والأشكال والطبائع والقوى ، وفى قوله : « من » تغليب لجانب العاقل فيما قيل للمناسبة ، ولا دليل لمن قال ما يمشى على أكثر من أربع متعمدة على أربع ، فألغى الزايد ثم ظهر أن التغليب فى قوله : ﴿ فمنهم ﴾ فقط ، والبافى جار عليه . ﴿ إن اللهَ على كلِّ شىء ﴾ من الممكنات ﴿ قَديرْ ﴾ وأما غير الممكن ما يناقض صفات الألوهية فمستحيل بالذات ، لتحقق الألوهية ، وإلا ناقضها ، وما لا يناقض فلجعل الله عز وجل له مستحيلا ، فلا يتصور أن يكون غير مستحيل .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٣٥