وَوَرِثَ سُلَیۡمَٰنُ دَاوُۥدَۖ وَقَالَ یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّیۡرِ وَأُوتِینَا مِن كُلِّ شَیۡءٍۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡمُبِینُ١٦
الرسم الإملائيّ
وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ
الجزء ١٩الربع ١٥١ صفحة ٣٧٨
تفسيرها
﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ النبوة ، أو العلم ، أو الملك ، بأن قام مقامه في ذلك دون سائر بنيه ، ﴿وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ ، وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ تشهيرا لنعمة الله ، وتنزيها لها ، ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير ، وغير ذلك من عظائم ما أوتيه ، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ الذي لا يخفى على أحد.
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬١٧٥
قوله : ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ﴾ أي : نبوّته وملكه ﴿ وَقَالَ يَآأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يعني كل شيء أوتي منه . ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبينُ ﴾ أي : البين .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬١٧٥
﴿ وَوَرث سليمان دَاوُد ﴾ أباه وراثة علم لا مال ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة » قال أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن العلماء ورثة الأنبياء » وان الأنبياء لم يورثوا دينا ولا درهما ، ولكن ورثوا العلم ، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر رواه أبو داود والترمذى ، ومثله عن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ، ولنا أن نقول : ورث سليمان العلم والنبوة والملك ، ولا ينافيه الحديث المذكور ، لأ فيه إرث للمال ، لا نفى إرث بالنبوة والملك ، واطلاق الإرث على ذلك مجاز استعارى لجامع القيام مقام من كان لذلك قبل ، ووراثة غير المال فى مواضع من القرآن : ﴿ ثم أورثنا الكتاب ﴾ ﴿ فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ﴾ وأيضاً لداود تسعة عشر ولداً ، فلو كان إرث مال لم يذكر سليمان وحده ، إلا أنه لا مانع من ذكره وحده ، لأنه خليفته .
وقد جاز أن يقال : ورث فلان أباه ، ولا يلزم أنه ورثه ، وحده إلا أنه لو كان ذلك لترك الايهام الى قوله : وقال سليمان بعد موت أبيه : يا أيها الناس ، وأيضاً لا مدح فى إرث المال ، والمقام للمدح بالدين ، وهو حين موت داود ابن اثنتى عشرة أو ثلاث عشرة سنة ، ويقال أوصى له بالملك ، ويقال ولاه فى حياته ، وربما تقوى بذلك أن الملك غير داخل فى الارث ، لأنه بالايصاء أو فى الحياة ، إلا ان ما بالايصاء يصح عليه الارث .
﴿ وقال ﴾ شكراً للنعمة ، وإعلاماً وبرهانا للاعجاز ، فلا بد من قوله ليصدقوه إذا قال عن الطير : ﴿ يا أيها الناس عُلِّمنا ﴾ عُلِّمت ، وجمع لأنه أعظم قومه وماله يعود نفعه إليهم بالانقياد اليه ، لا عُمَّمت أنا وأبى كما قيل ﴿ مَنْطق الطَّيْر ﴾ علمنا مضمون نطقها ، وتسمية أصواتها نطقاً استعارة أصلية ، لأن المصدر الميمى كسائر المصادر غير مشتق ، أو سماها أصواتاً تسمية للمطلق بالمقيد ، فذلك مجاز مرسل أصلى أو شبه الصوت بالانسان ، ورمز الى ذلك بلازم الانسان ، وهو النطلق ، فالنطق استعارة تخييلية ، صاح ورشان فقال : إنه قال : لدوا للموت وابنوا للخراب ، وصاحت فاختة فقال : فقالت : ليت هذا الخلق لم يخلقوا ، تعنى المكلفين من الجن والانس ، وطاوس فقال يقول : كما تدين تدان ، وهدهد فقال : يقول استغفروا الله مذنبين .
وروى أنه يقول : من لا يرحم لا يرحم ، وقائل : استغفروا الله يا مذنبين ، الصرد وطيطون فقال يقول : كل حى يموت ، وكل جديد بال ، وخطاف فقال يقول : قدموا خيراً تجدوه ، وقيل يقول الخطاف : الحمد لله رب العالمين ، ويمد كالقارىء ، ورخمه فقال تقول : سبحان ربى الأعلى ملء سمائه وأرضه ، وروى هذا لحمامة وقمرى فقال يقول : سبحان ربى الأعلى ، وقيل سبحان ربى الدائم ، والغراب يدعو العشار ، وقال تقول الحدأة : كل شىء هالك إلا الله تعالى والقطاة : من سكت سلم ، والببغاء : ويل لمن الدنيا همه ، والديك : اذكروا الله يا غافلين ، والنسر يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت ، والعقاب : فى البعد عن الناس أنس ، والقنبرة : اللهن العن مبغض محمد وآل محمد ، والزرزور : اللهم أسألك رزق يوم بيوم يا رزاق ، والدراج : الرحمن على العرش استوى .
ولا يختص علمه بمنطق الطير فإنه مر ببلبل على شجرة يحرك رأسه ، ويميل ذنبه ، فعلم فعله بلا نطق ، وقال : بذلك أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء ، وقال يقول الضفدع : سبحان ربى القدوسى ، وقيل : سبحان المذكور بكل لسان ، وليست طائراً وتنطق له الشجر إنى أنفع لكذا ، ولكن خص الطير بالذكر ، لأنها من جنوده ، ويرسلها تظلل عليه ، وسأل جماعة من اليهود ابن عباس عما يقول سبعة ذروها ، فقال : سلوا تفقهاً فقال ان القنبر يقول : اللهم العن مبغض محمد وآل محمد ، والديك : اذكروا الله يا غافلين ، والضفدع : سبحان الله المذكور فى البحار ، والحمار : اللهم العن العشار ، والفرس إذا التقى الجمعان : سبوح قدوس ، رب الملائكة والروح ، والزرزور : اللهم إنى اسألك قوت يوم بيوم يا رزاق ، والدارج : الرحمن على العرش استوى فأسلموا وحسن اسلامهم .
﴿ وأوتينَا مِن كلِّ شىءٍ ﴾ النبوة والملك ، وتسخير الجن والانس والشياطين ، والريح أو ما يحتاج اليه الملك من الآت الحرب وغيرها ، وما دخل من ذلك على قول فى قوله : ﴿ وورث ﴾ الخ فغيره داخل هنا ، وعن ابن عباس : المراد هنا ما يهمه من الدنيا والآخرة ، والمراد بالكلية الكثرة ، كناية أو مجازاً مشهوراً تقول : فلان يقصده كل أحد ، ويعلم كل شىء تريد الكثرة .
﴿ إنَّ هذا ﴾ اى المذكور من التعليم والايتاء ﴿ لهُو الفَضْل المُبِين ﴾ من كلام سليمان كقوله صلى الله عليه وسلم : « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » أو من كلام الله .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬١٧٥