لَیۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَیۡءٌ أَوۡ یَتُوبَ عَلَیۡهِمۡ أَوۡ یُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ١٢٨
الرسم الإملائيّ
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ
الجزء ٤الربع ٢٦ صفحة ٦٦
تفسيرها
﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ اعتراض ، ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ ﴾ المعنى : أن الله مالك أمرهم إما أن يهلكهم أو يكبتهم ، أو يتوب عليهم إن أسلموا ، أو يعذبهم إن أصروا ، وإنما أنت مأمور بإنذارهم وجهادهم . ﴿ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ قد استحقوا التعذيب بظلمهم ، ﴿ وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ﴾ خلقا وملكا . ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ ﴾ لمن تاب ، ﴿ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ﴾ لمن أصرَّ . ﴿ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لمن تاب .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٢١
قوله : ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ ذكروا عن الحسن قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد ، وشُجَّ في وجهه فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول : كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم؛ فأنزل الله : ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ . ذكر بعضهم عن رسول الله مثل ذَلك ، غير أنه قال : خضبوا وجه نبيهم بالدماء وهو يدعوهم إلى الله .
وقوله : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فيه تقديم؛ لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ قوله : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فيرجعوا إلى الإِيمان ، وإن يعذبهم فبإقامتهم على الشرك في تفسير الحسن . قال : وهو كقوله : ﴿ وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ [ الأحزاب : 24 ] أي : فإن يعذبهم فبإقامتهم على النّفاق أو يتوب عليهم فيرجعوا عن نفاقهم .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٢١
﴿ لِيَقْطَعَ ﴾ يهلك متعلق بنصر ، من قوله : ولقد نصركم الله ببدر ، وما بينها بيان لكيفية وقوع النصر ، وإذ تقول ظرف لنصركم ، أو متعلق بقوله : من عند الله ، عَلَى أنه النصر المعهود ، والمعلل بالبشارة الإمداد الصورى ، قيل : ويجوز تعليقه بالنصر من قوله : وما النصر ، ولو جعلنا إذ تقول بدلا من إذ غدوت ، لكن فيه الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبى ، وهو الخبر ، واعترض أيضا بأن فيه قصر النصر المخصوص المعلل بعلة معينة على الحصول من جهته تعالى ، مع أن مراده الآية قصر حقيقة النصر المعهود ﴿ طَرَفَاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ جماعة فقط ، لا الكل ، سماهم طرفاً لأنه لا رسول إلى الوسط إلا بعد أخذ الطرف ، كقوله تعالى : قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ، وقوله : أو لم يروا أنا نأتى الأرض تتقصها من أطرافها ، وذلك بقتل سبعين وأُسر سبعين ببدر من صناديدهم ، ومن يليهم فى العزة والإعانة ، وقيل الطرف الجماعة الشوفاء ، وذلك أنهم يتقدمون فى السير ومن ذلك قولهم ، الأطراف منازل الأشراف ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ يشدد غيظهم ، وذلك لو يوقع الوهن فى قلوبهم ، أو يصرعهم على وجوههم ، قيل : أصله الغيظ والغم المؤثر ، وهو مادة على حدة ولا حاجة إلى دعوى أنه التاء بدل من الدال ، من قولهم ، كبده أصاب كبده بضر ، كحزن إلا أنه قرىء ، أو يكبدهم وهى قراءة قوية لدعوى الإبدال ، ولعل القراءة إن صحت ، قراءة التفسير لا تلاوة ﴿ فَيَنقَلِبُوا ﴾ يرجعوا بالانهزام ﴿ خَآئِبِينَ ﴾ مما رجوا ، منقطعى الآمال وأو للتنويع ، فإن ذلك كله وقع ببدر ، لا بعضه فقط ، وإن جعلنا ذلك فى أحد فقد قتل من الكفرة ستة عشر أو ثمانية عشر ، وقتل صاحب لوائهم ، وكان النصر للمسلمين إلى أن اتتلوا عن المركز الذى أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ب أن يلنزموه ولما كسر عتبة بن أبى وقاص ، أو عبد الله بن قمثة بحجر رباعيته ، بفتح الراء وتخفيف الياء بعد العين ، وهى السن بعد الثنية والناب ، وذلك منه فى الفك الأسفل الأيمن حتى إنه ولى قاعداً ، وصلوا وراءه قعوداً ، وشج وجهه يوم أُحد ، قال : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم ، وجعل يمسحه ، أو همّ أن يدعو عليهم ونهاه الله ، وقيل ، قال : اللهم العن أبا سفيان ، اللهم العن الحارث بن هشام ، بحمزة من جدع أنفه وأذنيه ومذاكره همّ أن يفعل فيهم ما هو أكبر من ذلك مما لم تسمع العرب مثله ، ففى ذلك كله نزل قوله تعالى :
﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ ﴾ الهلاك الدنيوى أو الأخروى ، أو غيره ﴿ شَىْءٌ ﴾ بل الأمر كله لله فاصبر ولا يتغير قلبك عليهم بما أصابك فى سبيل الله ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ بتوفيق التوبة ، كما تاب هؤلاء الأربعة الذين لعنهم وأسلم خالد ﴿ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ على عدم التوبة بالنار والأسر ، والضم والقتل ، والنصب للعطف على اسم خالص ، وهو أمر ، أو شىء ، أى ليس لك من هلاكهم شىء ، أو توبة الله عليهم ، أو تعذيبه إياهم ، او لا شىء تدخل فيه ، لا توبة ولا تعذيب ، ولا غيرهما ، أخرج قلبك منهم بالكلية ، أو بمعنى إلا أو إلى أن يتوب الخ غاية لقوله ليس ، وليس إذا تاب أو عذب كان له من الأمر شىء ، بل كقولك : لا أفعل كذا ، إن شاء الله إلى أن أمةت ، أو إلى يوم القيامة مما لا يفعل بعد الموت أو القيامة ، أو بمعنى إلا أن يتوب قسرا ، أو يعذبهم فتشفى ، وذلك فى أحد بسبب المشركين وقل ، فى أهل بئر معونة ، أرسل إليهم أربعين أو سبعين رجلا ، يعلمونهم القرآن والدين على أربعة أشهر من أحد ، فاستصرخ عليهم عدو الله عامر بن الطفيل قبائل من سليم ، وعصية ، وزعل ، وذكوان ، فقتلوهم كلهم إلا كعب بن زيد ، من بنى النجار ، تركوه وفيه رمق ، فقنت صلى الله عليه وسلم شهراً يلعنهم ، فنزلت الآية ، ﴿ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ مستحقون التعذيب على ظلمهم أنفسهم وغيرهم بالشرك وغيره ، فذكر المسبب بذكر السبب ، أو ذكر السبب ليشعر بالمسبب ، واحتج للتسمية بقوله :
﴿ وَلِلهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ ﴾ من أجزائهن والحال فيهن وأهويتهن بالخلق والملك والربوبية ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ﴾ الغفران له بالتوفيق إلى التوبة ﴿ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ تعذيبه بالخلان ، وليس من الحكمة أن يدخل للكفار الجنة غير تائبين ، أو أن يدخل المطيع النار ميتاً على لاستقامة ، وما ليس حكمة ى يوصف به الله تعالى ، قال الحسن : يغفر لمن يشاء بالتوبة ، ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين ، ويعذب من يشاء ولا يشاء أن يعذب إلا المستوجبين للعذاب ، ومثله قول عطاء : يغفر لمن يتوب عليه ويعذب من لفيه ظالما ، ويدل لذلك تقييد الغفران بالتوبة فى غير هذه الآية ﴿ وَاللهُ غَفُورٌ رًّحِيمٌ ﴾ للمحسينن بالتوبة ، وما يدريك لعلهم يتوبون ، فلا تشتغل بالدعاء عليهم بالهلاك ، فإن لم يتوبوا فلن يفوتوا الله .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٢١