سورة آل عمران · الآية ١٤٤ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولࣱ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِی۟ن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰۤ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن یَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَیۡهِ فَلَن یَضُرَّ ٱللَّهَ شَیۡءࣰاۗ وَسَیَجۡزِی ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِینَ١٤٤
الرسم الإملائيّ

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ

الجزء ٤الربع ٢٧ صفحة ٦٨

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 144]

﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ فسيخلوا كما خلوا ، وكما أن أتباعهم بقوا متمسَّكين بدينهم بعد خلوِّهم ؛ فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوِّه لأن المقصود من بعث الرسل تبليغ الرسالة ، وإلزام الحجَّة لا وجوده بين أظهر قومه ؛ ﴿ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ الذين لم ينقلبوا ، وسمّاهم شاكرين لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٣٧

[سورة آل عمران — آية 144]

قوله : ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَايْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾ أي إلى الشرك ﴿ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً ﴾ أي إنما يضر نفسه . وقد أخبر الله محمداً أنه لا يُقتَل أبداً ولا يُظْهَر عليه بقتل أبداً فقال : ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ﴾ [ الإِسراء : 60 ] فمنعتك منهم أن يصلوا إليك . قال : ﴿ وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ ﴾ أي المؤمنين ، يجزيهم الجنة .

وقال بعضهم : ذلك يوم أحد حين أصابهم القرح والقتل ، فتنازعوا نبي الله على تفئة ذلك ، فقال أناس منهم : لو كان نبياً ما قتل ، وقال أناس من علية أصحاب النبي عليه السلام : قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى يفتح الله عليكم أو تلحقوا به : فقال الله : ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾ ، أي : كفاراً بعد إيمانكم .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٣٧

[سورة آل عمران — آية 144]

﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ ﴾ تتمنون لقاء الموت ، أى الحرب ، سماها موتاً لأنها سببب ، أى الموت بالشهادة والخطاب للذين لم يشهدوا بدراً وتمنوا أن يشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حرباً لينالوا ما نال شهداء بدر ، وألحوا فى الخروج إلى أحد مع كراهة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما مر ، وليس فى ذلك إعانة أهل الشرك ، لأن القصد نيل الثواب لا غلبتهم ، مع أن موت بعض قليل ليس غلبة ، وقد تمنى عبد الله بن رواحة أن يموت شهيداً ، أو لم ينهه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأيضاً كل من تمنى أن يموت شهيداً يحب أن ينصر الله عز وجل دينه ويحفظ أهله ﴿ مِنْ قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ ﴾ تشاهدوا شدته ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُموهُ ﴾ أى شاهدتم الموت فى أصحابكم ، أو شاهدتم الحرب بسيوفها ورماحها من عدوكم وجبنتم وانهزمتم مع أنكم السبب فى تهييجها ، ولم تصدقوا فى دعواكم ، ولا سيما مجرد تمنى للشهادة ، فإنه لا يجوز لأن فيها غلبة الكفرة ، بل يسأل الإنسان الظفر على العدو ولانجاة لنفع الإسلام بعد ، فإن قتل فشهادة رزقها ، يصبر لها ، فالآية توبيخ لهم عَلَى مَا ذكر ، وعَلَى الإلحاح ، ومقتضى الظاهرن فقد لقيتموه ، لكن ذكر الرؤية تلويحاً بأنهم كمن رآه وها به ولم يدخله ، أو للمبالغة فى أنهم شاهدوه ﴿ وَأنتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ حال مؤكدة لرأيتموه ، مبينة أن الرؤية بصرية ، كقولك رأيته وليس فى عينى علة ، أو الرؤية علمية ، والنظر بصرى ، أو تنظرون محمداً صلى الله عليه وسلم ، أو تتأملون كيف الحرب ، فالجملة حال مؤسسة ، ولما نودى فى هزيمة أحد ، أن محمداً قد قتل فشل كثير من المسلمين وهربوا ، كما مر وقال المنافقون ، بعض لبعض : إن قتل محمد فارجعوا إلى دينكم فرجع بعض ، وفى ذلك نزل قوله تعالى ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إلاّ رَسُولٌ ﴾ لا يتجاوز الرسالة إلى الألوهية ، فتترك العبادة لموته ، ولا إلى الحياة أبداً بل يموت كما مات الرسل بقتل أو بغيره ، كما قال ﴿ قَدْ خَلَتْ ﴾ مضت بالموت ﴿ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ وذلك قصر إفراد ، وله وجه آخر ، هو كأنهم اعتقدوا له الرسالة والبعد عن الموت ، فقصر عَلَى الرسالة ، فيكون قد خلت مستأنفاً ، ولا يلزم من قوع الجملة بعد النكرة أن تكون نعتاً لها ، وأيضاً يجوز أن تكون نعتاً لرسول مؤكداً؛ لأن انتفاء الموت معلوم من حصره على الرسالة ، أو قصر قلب إذ توهموا أنه لا يجب البقاء على دينه بعد موته ، وهذا القصر منصب على النعت ، وهو قد خلت ، أما المنقافقون فقالوا ، لو كان رسولا لم يمت ألبتة ، أو لم يمت بالقتل ، وكلاهما توهم بعيد وأما ضعفاء المسلمين فضعفت قلوبهم بموته وكأنهم استبعدوا موته فى الوقعة ، ولما قيل بموته فت فى عضدهم ، والآية فيهم لا فى المنافقين لقوله : « فإن مات .

. إلى . . ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا « لأن المنافقين فى ضلال ، بقوا عَلَى النفاق ، أو أظهروا الشرك ، اللهم إلا أن يقال جازاهم على ظاهر أمرهم ، وإلا فهم فى ضلال ، انقلبوا عَلَى عقبهم أو لم ينقلبوا ، لا كما فى قوله تعالى ﴿ أَفَإن مَّاتَ ﴾ بلا قتل ﴿ أَوْ قُتِلَ ﴾ كسائر الناس ، والرسل وغيرهم ﴿ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾ رجعتم إلى الكفر بعد إذ خلفتموه وراءً ، توهموا أنه نبى لا يموت ، وأنه إن مات لم يجب البقاء على دينه ، والتقدير : أتضعفون ، أو أتؤمنون به فى حياته ، وأفإن مات ، والأولى أن معنى الانقلاب نقص الدين بزواله كله إلى الشرك ، كما وقع من بعض ، أو بضعفه ، أو بإظهار المنافقين الشرك أو بفعل ما يشبه الكفر من الانكشاف عنه صلى الله عليه وسلم والفشل ، ويجوز أن يكون المراد النهى عن الردة لمن لم تقع منه ، كمن رأى من أحد قرب فعل شىء ، فقال له : أتفعل كذا ، وقيل : هى فى أهل الردة ، وقيل فيهم وفى إظهار المنافقين الشرك ، وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، علمنا أن الإيمان يزداد فهل ينقص ، فمثلا الآية ﴿ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَاقِبَيْهِ ﴾ بالردة ﴿ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً ﴾ بكفره ، بل ضر نفسه بعذاب النار الدائم لما هزم المسلمون يوم أحد ، قال بعض الضعفاء من المؤمنين ليت ابن أبى أخذلنا أماناً من أبى سفيان ، وقال المنافقون : لو كان نبيَّا لم يقتل ارجعوا إلى إخوانكم ودينكم ﴿ وَسَيَجْزِى اللهُ ألشَّاكِرِينَ ﴾ له على نعمة الإسلام ، وقيل الشاكرون الثابتون على الإسلام ، لأن الثبات عليه ناشىء عن تيقن حقيقته ، وذلك شكر ، قال على : الصِّدِّيق أمير الشاكرين ، والمراد فى الآية الشاكرون إلى قيام الساعة ، وقيل المهاجرون والأنصار كأنس بن النضر عم أنس بن مالك لأنه قال : يا قوم إن كان محمد قتل فإن رب محمد حى لا يموت ، وما تصنعون بالحياة بعده ، فقاتلوا على ما قاتل عليه اللهم إنى أعتذر إليك مما يقول هؤلاء ، يعنى ضعفاء المسلمين ، وأبرأ مما قال هؤلاء ، يعنى المنافقين ، وشد بسيفه فقاتل حتى قتل ، ونزلت الآية فيه ، قال كعب بن مالك : كنت أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين بعينيه تزهران من تحت المفغر فناديت بأعلى صوت ، يا معشر المسلمين ، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشار إلىَّ أن أسكت ، فانحاز إليه ثلاثون وحموه ، وتفرق الباقون ، وقد ضربه عتبة بن أبى وقاص وابن قمثة ، فصرخ صارخ ، قتل محمد ، ولا يدرى الصارخ ، ولعله الشيطان أو إبليس ، وأدركه أبى بن خلف الجمحى ، وقال : لا نجوتُ إن نجوتَ ، فقال أصحابه الثلاثون : يا رسول الله ، ألا يعطف عليه واحد منا ، قال : دعوه ، فدنا ، فتناول صلى الله عليه وسلم الحرية من يد بعضهم ، وهو الحارث بن الصمة ، فطعنه فى عنقه وخدشه فهو يخور كالثور ، ويقول : قتلنى محمد ، فقال له أصحابه : لا بأس ، فقال : لو كانت هذه الطعنة فى ربيعة ومضر لأهلكنهم ، وقد قال لى : أقتلك ، فلو بصق على لقتلنى ، وبقى يوما ومات بسرف ، وكان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم لى رمكة أعلقها كل يوم فر قادرة أقتلك عليها ويقول صلى الله عليه وسلم : بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٣٧