سورة آل عمران · الآية ١٤٥ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبࣰا مُّؤَجَّلࣰاۗ وَمَن یُرِدۡ ثَوَابَ ٱلدُّنۡیَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَن یُرِدۡ ثَوَابَ ٱلۡءَاخِرَةِ نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَاۚ وَسَنَجۡزِی ٱلشَّٰكِرِینَ١٤٥
الرسم الإملائيّ

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ

الجزء ٤الربع ٢٧ صفحة ٦٨

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 145]

﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله ﴾ أي : يعلمه ، أو بأن يأذن لملك الموت في قبض روحه ؛ والمعنى : أن موت الأنفس محال أن يكون إلاَّ بمشيئة الله ؛ وفيه تحريض على الجهاد وتشجيع على لقاء العدوِّ ؛ وإعلام بأن الحذر لا ينفع ، وأن أحدا لا يموت قبل بلوغ أجله ، وإن خاض المهالك واقتحم المعارك ، ﴿ كِتَاباً مُّؤَجَّلاً ﴾ لا ينسخه إلاَّ وصول أجله ، ﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ ميسَّر لمن يريده ؛ ﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ ميسَّر لمن يريده ويحتمل ( ( نؤته منها ) أي : من الدنيا ما قدرناه له ، ولا ينقص ذلك ، إرادته وعمله وسعيه كان للدنيا أو للآخرة ؛ بل يجزي كما قال : ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٣٨

[سورة آل عمران — آية 145]

قوله : ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً ﴾ أي لا تستقدم عنه ولا تستأخر .

ذكروا عن سعيد بن جبير قال : أجله مكتوب في أول الكتاب ، ثم يكتب في أسفل الكتاب : ذهب من أجله يوم كذا وكذا . وذهب كذا وكذا حتى يفنى عمره . قال : وهو قوله : ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ [ فاطر : 11 ] .

قوله : ﴿ وَمَن يُّرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ هو مثل قوله : ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ﴾ [ الإسراء : 18 ] ﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ يعني الجنة ، يثاب على قدر عمله ، ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ أي المؤمنين .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٣٨

[سورة آل عمران — آية 145]

﴿ وَمَا كَانَ ﴾ ما صح أو ثبت ﴿ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إلاّ بِإذْنِ اللهِ ﴾ لملك الموت فى توفيها ، فالإذن على حقيقته ، وهو أن يؤمر بفعل ما صلبت أو التخلية بينها وبينه أو إلا بمشيئة الله ، لا يؤخرها عن أجلها ترك القتال ولا يقدمها عنه القتال إطلاقا للمسبب على السبب ، لأن الإذن مسبب عن المشيئة ، أو مستعار للمشيئة فى التيسير ، وإذا كان أجلها فى القتال لم نجد تأخيراً عنه ، فالمقتول مات لأجله ، لا كما قالت المعتزلة ، إنه مات لغير أجله ، وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أجل أو فى وقت القتل قولان فاسدان ، وهذا من الأصول التى ينقطع فيها العذر فنكفرهم بقولهم تكفير نفاق لا شرك ، وذلك أن الله تعالى لا يخلف الوعد ولا الوعيد ، ولا يتجدد علمه فيبدو له ما لم يعلم ، جاشاه أن يخفى عنه شىء ولا ينسى ولا يعجز ولا يغلبه شىء عن الأجل الموعود له ، وإذا وقع خلاف ما قضى انقلب العلم جهلا واللوح المحفوظ كذبا ﴿ كِتَاباً مُؤَجَّلاَ ﴾ كتب الله الموت كتاباً مؤقتاً مبرما ، لا يتقدم بقتال كما لا يتأخر بتحرز ، وذلك كله تحريض على الجهاد ، ووعد بالحياة ، وهو مؤكد لمضمون قوله : وما كان لنفس الخ . ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾ معرضاً عن ثواب الآخرة ، أو مريداً لثواب الآخرة أيضاً ، إرادة ضعيفة لم تصدقه أقولاه ﴿ نُؤْتِهِ مِنهَا ﴾ من ثوابها إن شئنا ، ولا ثواب له فى الآخرة ولا نؤتيه إلا ما قسم له ، من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الأَخِرَةِ ﴾ وحدعه ، أو مع ثواب الدنيا ، غير آكل بدينه ولا قاصداً إياه ﴿ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ من ثوابها لاستعداده له لما اشتد الحرب قال صلى الله عليه وسلم : « من يضرب بهذا السيف حتى ينحنى؟ » فأخذه أبو دجانة ، سماك ابن خرشة الأنصارى فضرب به حتى انحنى ، فلا يلقى أحداً إلا قتله به ، وقاتل على قتالا شديداً ، ورمى سعد بن أبى وقاص حتى اندق قوسه ، ونثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته ، ويقل له : « أرم ، فداؤك أبى وأمى » ، وأصيبت يد طلحة ابن عبيد الله ووقعت عين قتادة على وجنته ، فردها صلى الله عليه وسلم ، وكانت أحسن مما كانت ولا ترمد ﴿ وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ ﴾ الله بالثبات فى أمر الدين ، ومنه القتال والثبات يوم أُحد ، ما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر أو ملك ، وذلك تعريض بمن أكبوا على الغنائم حبا للدنيا ، وتركوا المركز حتى قتلوا من ورائهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٣٨