سورة آل عمران · الآية ١٦٠ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
إِن یَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن یَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِی یَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡیَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ١٦٠
الرسم الإملائيّ

إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ

الجزء ٤الربع ٢٨ صفحة ٧١

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 160]

﴿ إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾ إنما يدرك نصرا الله ، من تبرأ من حوله وقوته ، واعتصم بربه وقدرته ، ﴿ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ﴾ من بعد خذلانه إياكم ؛ هذا تنبيه على أن الأمر كله لله ، وعلى وجوب التوكل عليه ، ﴿ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ وليخُصَّ المؤمنون ربهم بالتوكل عليه ، والتفويض إليه لعلمهم أنه لا ناصر سواه ، ولا رزق إلا من لدنه . وقيل : حقيقة التوكل : أن لا تعصي الله من أجل رزقك ، ولا تطلب لنفسك ناصرا غيره ، ولا لعملك شاهدا غيره ؛ ولأن إيمانه يقتضي ذلك .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٥٣

[سورة آل عمران — آية 160]

قوله : ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾ أي من ينصره الله فلا غالب له ﴿ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ﴾ أي من خذله الله فلا ناصر له . ﴿ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ . ولقد أعلم الله رسوله والمؤمنين أنهم منصورون ، وكذلك إن خذلهم لم ينصرهم من بعده ناصر . ومثل ذلك من كلام الله قول موسى : ﴿ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴾ [ الأعراف : 143 ] . والجبل لا يستقر مكانه .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٥٣

[سورة آل عمران — آية 160]

﴿ إن يَنصُرْكُمُ اللهُ ﴾ على عدوكم ، كما ببدر وأول حرب أحد ﴿ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإن يَخْذُلَّكُمْ ﴾ كما فى آخر أحد ﴿ فَمَن ذَا الَِّى يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ﴾ من بعد الله ، أو من بعد الخذلان ، وهذا تحريض على الطاعة المقتضية للنصر وتحذير من العصية المقتضية للخذلان ، والاستفهام لنفى الناصر ، وهو بصورة الاستفهام ، إذ كان بصورة الحجة أبلغ من النفى الصريح ﴿ وَعَلَى اللهِ ﴾ لا على غيره يتوكل العاقل ، إذ لا ناصر سواه ، وعطف على هذا المقدر بالفاء فى قوله ﴿ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ عليه ، وعموماً ، أو المراد بالمؤمنين هؤلاء ، ويدخل غيرهم ، أو الفاء صلة ، وعلى يتعلق بما بعد الفاء ، ولما حث على الجهاد أتبعه بذكر ما يتعلق به ، وهو الغلول الذى هو أخذ الشىء من الغنيمة خيانة ، فقال : ﴿ وَمَا كَأنَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ﴾ أى لا يليق لنبى أن ينسبه أحد إلى الغلول ، فمن نسبه إليه فقد جفاه وعصى الله ، وحاصل ذلك نهى عن نسبته إليه ، ومن معانى أفعل وجود شىء على وصف كذا ، كأحمدته وجدته محموداً ، أو أبخلته بمعنى وجدته بخيلا ، أى لا يليق لنبى أن يوجد غالا ، وهو لا يوجد غالا ، إلا إن غل وه ولا يغل ، فلا يوصف بوجوده غالا ، فمن وصفه به فقد جفا ، وعصى ، فذلك براءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قول بعض المنافقين فى قطيفة حمراء فقدت من الغنيمة فى بدر ، لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها ، ومن قول أه لامركز يوم أُحد حين تركوا المركز نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخذ شياً فهو له ، فلا يكون لنا شىء ، فسمى اله عدم القسم لأهل المركز غلولا ، فنزه رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ، لأنهم كالضاربين بالسيوف فى غير الركز ، وهم فى قتال واحد ، ورامون أيضاً ، وروى أنهم لماتركوا المركز قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ظننتم أن أنفل فلا أقسم ، فنزلت الآية ، وقيل : بعث طلائع جيش لنظروا أين العدو وما حاله ، فغنموا بعد ذهاب الطلائع ، فقسمها على من معه ولم يعط الطلائع ، فنزلت الآية نهياً عن مثل ذلك ، لأن الطلائع فى حكم الحاضرين ، لأنهم فى شأن الجهاد ، وسمى الله هذا القسم غلولا تغلظا ، وهذه التسمية تغليظ بنى عليه تغليظ آخر ، وهو ، ما كان لنبى أن يغل ، وقيل المعنى ، ما كان لنبى أن يغله أحد ، أى يسرق من غنيمته ، ومثله فى ذلك غيره ، سمى الأخذ من الغنيمة غلولا ، لأنه يؤخذ منها خفية ، وأصل الغلول الأخذ خفية ، ولأن السرقة من شأنها أن يربط يد صاحبها بالغل وهو الجامعة من الحديد ، ولأنه فى الخفاء ، كغلل الماء فى خلال الشجر ﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ ﴾ بعينه وبإثمه ، ففى البخارى ومسلم عن أبى هريرة قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال : لا ألفين ، وروى لا ألفين بالفاء ، وكذا فيما بعده ، أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول : يا رسول الله ، أغثنى ، فأقول : لا أملك لك من الله شيئاً ، قد أبلغتك ، لا ألقين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة ، أى صوت طلب العلف دون الصهيل ، فيقول : يا رسول الله أغثنى ، فأقول : لا أملك لك من الله شيئاً ، قد أبلغتك ، لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة وعلى رقبته نفس لها صياح فيقول : يا رسول الله أغثنى ، فأقول : لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك ، لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته رقاع أى ثياب تخفق لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته صامت ، أى ذهب وفضة ، فيقول : يا رسول الله ، أغثنى فأقول : لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك ، ويورى بعد البعير ، أو بعد الفرس ، مثل ذلك فى البقرة لها خوار ، وأعم من ذلك ، رواية من بعثناه على عمل فعل شيئا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه ، فالإتيان بذلك على ظاهره ، ويقرب إليه ما روى ابن مردوية والبيهقى عن بريدة ، أنه يربط ما غل بحجر يزن سبع خلفات ، ويلقى فى النار ، ويكلف الغلل أن يأتى به من النار ، وقد هوى فيها سبعين خريفا ، وقيل المراد فى الآية الإتيان بإثمه ، وقيل يصور عمله فى الغلول بصورة جسم ، والظاهر الأول ، فقيل لأبى هريرة ، كيف يأتى بمائتى بعير أو مائة بعير؟ فقال : يقدر ، لأن ضرسه كأحد وفخذه كورقان ، وساقه كبيضاء ، ومجلسه ما بين الربدة والمدينة ، وعنه صلى الله عليه وسلم : هدايا الولاة غلول ﴿ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ أى جزاء ما كسبت من خير أو شر ، وغلول وغيره ، أو سمى الجزاء باسم سببه ، او باسم ملزومه ، فهذا لعمومه كالبرهان لخصوص الغلول وتأكيد لشأنه ، إذ كان الجزاء علت أقل شىء ، فكيف الغلول ، وقيل المراد الغلول ، وإن مابين بعثه ما غل وإدخاله النار مدة طويلة ، ثم للتراخى فى الزمان ويجوز أن تكون للتراخى فى الرتبة ، بمعنى أنه يبعث مفتضحاً بما غل ، تعذيباً له به بافتضاحه وعذابه فى النار أشد عليه من ذلك ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ بنقص ثواب أو زيادة عقاب .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٥٣